2 - يُضاف إلى ذلك أيضًا فتح الدنيا أبوابها على المسلمين، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية وانغماس بعض المسلمين فيها وشيوع الترف والمجون بين طبقة السفهاء
مما أوجد ردة فعل عند بعض العباد، وبخاصة في البصرة والكوفة إذ كانت بداية الانحراف عن المنهج النبوي هناك.
ففي الكوفة مثلا ظهرت جماعة من أهلها اعتزلوا الناس وأظهروا الندم الشديد بعد مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما، وسموا أنفسهم بالتوابين أو البكائين، كما ظهرت طبقة من العبّاد غلب عليهم جانب التشدّد في العبادة والبعد عن المشاركة في مجريات الدولة مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة واشتغالهم بالكتاب والسنة تعلمًا وتعليمًا بالإضافة إلى صدعهم بالحق وتصديهم لأهل الأهواء، كما ظهر فيهم الخوف الشديد من الله تعالى والإغماء والصعق عند سماع القرن أي أن الواحد منهم إذا سمع القرآن يغمى عليه ويغشى عليه؛ مما جعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم وكبار التابعين ينكرون عليهم كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم رضي الله عنهم، وبسببهم شاع لقب العبّاد والزهّاد والقرّاء، هذا الألقاب بدأت تنتشر في تلك الفترة.
امتاز منهج المتقدمين في الجملة بالتعويل على الكتاب والسنة، واعتبارهما مصدري التلقي والاستدلال الوحيدين، ويروى عنهم نصوص كثيرة في ذلك، فمن ذلك ما قاله أبو القاسم الجنيد:" مذهبنا هذا مقيد بالأصول الكتاب والسنة " وقال أيضا: " علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به " وقال أبو سليمان الداراني:" ربما تقع في نفسي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة "، وقال سهل بن عبدالله التستري:" مذهبنا مبني على ثلاثة أصول:" الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال ".
الفصل الخامس:-