فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام، إذا عنوا به طلب رؤية اللّه تعالى أصابوا في ذلك، لكن أخطؤوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجًا عن الجنة، فأسقطوا حرمة اسم الجنة، ولزم من ذلك أمور منكرة؛ نظير ما ذكر عن الشبلي ـ رحمه اللّه ـ أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]. فصرخ وقال: أين مريد اللّه؟ فيحمد منه كونه أراد اللّه؛ ولكن غلط في ظنه أن الذين أرادوا الآخرة ما أرادوا اللّه؛ وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد، وهم أفضل الخلق، فإن لم يريدوا اللّه، أفيريد اللّه من هو دونهم. كالشبلي، وأمثاله؟!
ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض المشائخ أنه سأل مرة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111] قال: فإذا كانت الأنفس والأموال في ثمن الجنة، فالرؤية بم تنال؟ فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال.
والواجب أن يعلم أن كل ما أعده اللّه للأولياء من نعيم، بالنظر إليه وما سوى ذلك، هو في الجنة، كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول اللّه أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر بَلْهُ ما أطلعتهم عليه) وإذا علم أن جميع ذلك داخل في الجنة، فالناس في الجنة على درجات متفاوتة، كما قال: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21] وكل مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غيرذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة.