تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقول الثاني : أنه لا يستحق أن يغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه، فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص، فإن في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له حكيم بن حزام : يا رسول اللّه، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ فقال : ( من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ) فقد دل هذا النص على أنه إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التي فعلت في حال الجاهلية عمن أحسن لا عمن لا يحسن، وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر، ومن لم يتب منها فلم يحسن .

وقوله تعالى : ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ الأنفال : 38 ] يدل على أن المنتهى عن شيء يغفر له ما قد سلف منه، لا يدل على أن المنتهى عن شيء يغفر له ما سلف من غيره؛ وذلك لأن قول القائل لغيره : إن انتهيت غفرت لك ما تقدم، ونحو ذلك يفهم منه عند الإطلاق أنك إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم منه، وإذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه، كما يفهم مثل ذلك في قوله : ( إن تبت ) ، لا يفهم منه أنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره .

وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( الإسلام يهدم ما قبله ) وفي رواية : ( يجب ما كان قبله ) فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه . فقال له : ( يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ) . ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه، لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب .

الزهور العطرة في رياض المغفرة · الصفحة ٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الزهور العطرة في رياض المغفرةص ٩٢