تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد من أخذ بالأكمل في العبادة لأنه من الأمور المجموعة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبه النوم آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في جماعة أو إلى خروج الوقت المختار أو إلى طلوع الشمس.

- (هب عن أبي هريرة) ورواه البخاري بلفظ إن الدين إلخ.

- حم ك هق عن بريدة) قال: خرجت ذات يوم أمشي فإذا أنا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمشي فأخذ بيدي فانطلقنا جميعاً فإذا برجل يصلي يكثر من الركوع والسجود فقال: أترى هذا مرائي قلت: اللّه ورسوله أعلم فأرسل يده وطبق بين يديه ثلاث مرات يرفع يديه ويضربهما ويقول عليكم إلخ قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رجاله موثقون وقال ابن حجر في تخريج المختصر: إسناد أحمد حسن.

4 - (عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن اللّه لا يمل حتى تملوا)

- (عليكم من الأعمال بما) لفظ رواية مسلم ما بدون حرف جر ورواية البخاري بإثباته (تطيقون) أي الزموا ما تطيقون الدوام عليه بلا ضرر ولا تحملوا أنفسكم أوراداً كثيرة لا تقدرون على أدائها فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق وهذا وإن ورد في الصلاة لكن اللفظ عام وهو المعتبر والخطاب للرجال والنساء ولكنه غلب الذكور قال ابن الحاج: فليحذر أن يتكلف من العمل ما عليه فيه مشقة أو يخل باشتغاله بالعلم لأن اشتغاله به أفضل وهذا باب كثيراً ما يدخل منه الشيطان على المشتغلين بالعلم إذا عجز عن تركهم له بأمرهم بكثرة الأوراد حتى ينقص اشتغالهم لأن العلم هو العدة التي يتلقى بها ويحذر منه منها فإذا عجز عن الترك رجع إلى باب النقص وهو باب قد غمض على كثير من طلبة العلم لأنه باب خير وعادة الشيطان أن لا يأمر بخير فيلتبس الأمر على الطالب فيخل بحاله وكان المرجاني يقول: ينبغي لطالب العلم أن يكون عمله في علمه كالملح في العجين إذا عدم منه لم ينتفع به والقليل منه يصلحه (فإن اللّه) ولفظ رواية فواللّه (لا يمل) بمثناة تحتية وميم مفتوحتين أي لا يترك الثواب عنكم (حتى تملوا) بفتح أوليه أي تتركوا عبادته فإن من مل شيئاً تركه وأتى بهذا اللفظ للمشاكلة كقوله ﴿وجزاء سيئة سيئة﴾ وأفاد أفضلية المداومة على الطاعة وإن قلت وشفقته على أمته ورأفته بهم وكراهة التشديد في العبادة والناس في العبادة على طبقات أعلاها وأفضلها طريقة النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو أنه كان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته مصلياً ولا نائماً إلا رأيته نائماً وأصل الملال استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته وهو محال عليه تعالى فأول بما مر وهذا الحديث رواه مسلم بأتم من هذا ولفظه يا أيها

اليواقيت العشرية من كلام خير البرية · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اليواقيت العشرية من كلام خير البريةص ٤٣٦