سابعا: لقد سار سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم على هذا المنهج ثقةً بالله، واعتماداً عليه، وقوةَ إيمانٍ به مع ثباتٍ في العزيمة، وصبرٍ على الشدائد، وتأسٍ كاملٍ بخير أسوةٍ رسولِ الله مع عملٍ خيِّرٍ متواصل لا ينقطع، أقام الله بهم شوامخَ صروحَ هذا الدين، وقامت بهم دولةُ الإسلامِ القويةُ في أصقاعِ الأرض، وذلك لما وزنوا الدنيا في واقعها بميزانها الحقيقي، فلم يركنوا إليها، وعرفوا حقارَتها وسرعةَ زوالها، فلم يخدعوا أنفسهم بها، بل عرفوا الآخرة، وقدرُوها حق قدرها، وجعلوها نَصبَ أعينهم، فلخلودها يعملون، وعليها يحرصون، فهانت عليهم الصِعاب من أجلها، ذكر ابن كثير رحمه الله في أحداثِ سنةِ ثلاثٍ وستين وأربعمائة من الهجرة قال " أقبل ملكُ الرومِ في جحافلَ لا تحصى كأمثال الجبال وعُددٍ عظيمةٍ وجمْعٍ هائل، ومن عزمه أن يجْتَث الإسلامَ وأهلَه، فالتقى به سلطانُ المسلمين في جيشٍ وهُم قريبٌ من عشرين ألفا، وخاف من كثرةِ المشركين، فأشار عليه الفقيهُ أبو نصرٍ محمدُ بن عبد الملك البخاري رحمهما الله تعالى أن يكونَ وقتَ الواقعةِ يوم الجمعة بعد الزوال حين يكونُ الخطباءُ يدعون للمجاهدين، فلما تواجهت الفئتان، قال للمسلمين: من أراد أن يتحلل مني الآن فاليتحلل، فما أنا إلا بشر مثلكم، ومن أراد أن يرجع إلى بلده فليرجع فليس ثمة اليوم سلطان، فنزل عن فرسه، وسجد لله عز وجل، وعفّر وجهه بالأرض ودعا الله تعالى واستنصره وقال: يا رب ملك من ملوك الدنيا ذل لملك الأملاك، فأنزل الله نصره على المسلمين، ومنحهم أكتاف المشركين، وكان نصراً مُؤزراً مجيداً " وصدق الله ﴿يأَيُّهَا لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سلمان المالكي