تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مورثه، فإنه يجعل المورث حياً بالنسبة له عقوبة وزجراً فلا يرثه. والخلاصة: فإن الجريمة لا تكون سبباً للتخفيف عن صاحبها، بل إن ارتكابها يدل على أن صاحبها رضي بجمع النتائح المترتبة على جرمه.

ثالثاً: استدل القائلون بالتفريق بين أقواله وجرائمه فلا يؤاخذ بالأولى ويؤاخذ بالثانية

مؤاخذة كاملة: بإن إهدار أقواله لا يتضمن مفسدة، لأن القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه، بخلاف الأفعال، فأن مفاسدها لا يمكن محوها بعد وقوعها، فكان اهدارها ضرراً محضاً، وفساداً كبيراً، وهذا لا يجوز.

وأيضاً: فإن عدم مؤاخذته بجنايته ذريعة إلى ارتكابه الجرائم وجرأته عليها، واستباحته قتل النفوس البريئة، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى. وأيضاً: فإن السكر جريمة، والجريمة لا تصلح أن تكون دافعة للمسؤولية الجنائية عن جريمة أخرى.

رابعاً: استدل الحنفية القائلون بعدم ردته وإقراره بما يحتمل الرجوع: بأن الردة تبدل الاعتقاد، والاعتقاد لا يرتفع إلا بالقصد إلى تبدله، أو بما يدل عليه ظاهراً وهوالتكلم في حالة يعتبر فيها القصد، وهي حالة الصحو، وليس السكران في مثل هذه الحالة فلا يكون قوله دالاً على تبدل اعتقاده فلا يرتد.

أما عدم الاعتداد بإقراره بما يحتمل الرجوع، فلأن السكران لا يستقر على أمر، فيقام مقام الرجوع، ولهذا لو أقر بزناه في حال سكره لم يؤاخذ بإقراره لأن الإقرار بالزنا يحتمل الرجوع. أما أدلة الحنفية على صحة أقواله الأخرى، فهي نفس أدلة القائلين بصحة أقواله مطلقاً.

-131 -

خامساً: استدل المالكية على عدم الاعتداد بعقوده وإقراراته: بأن الشرط في صحة العقد تمييز العاقد، ولا تمييز للسكران. أما في الإقرارات فقالوا: إما أن تكون بماله ولا يصح في هذه الحالة إقراره بالمال، لأنه محجور عليه يسكره.

وأما أن تكون بغير مال، فحديث ماعز (1) يدل على إلغاء قرار السكران.

أما أدلة المالكية في صحة أقوال السكران الأخرى، فهي أدلة القائلين بصحتها مطلقاً.

130 - مناقشة الأدلة، وبيان الراجح من أقوال الفقهاء:

1 - إن أدلة القائلين بعدم صحة أقوال السكران مقبولة وسليمة، لأن اعتبار القول إنما يكون بالقصد، ولا قصد للسكران لزوال عقله فلا يعتبر. أما إلزامه بقوله على وجه العقوبة فلا يصح، لأن العقوبة تقدر من الشارع ولا تقدر بالرأي، كما أن النص بين من السكران لا يعلم ما يقول، ومن لا يعلم ما يقول لا يقصد معنى ما يقوله، فلا يترتب أثر على قوله، كالأعجمي إذا لفظ بكلمة ((الطلاق))، وهو لا يعرف معناها، لا يترتب أثر عل لفظه.

2 - القياس على قاتل مورِّثه، وحرمانه من الميراث بجعل الموروث حياً حكماً قياس مع الفارق، لأن القاتل قصد قتل مورثه ليستعجل ميراثه فعوقب بحرمانه أما السكران فقد قصد السكر ولم يقصد إيقاع الطلاق مثلاً في سكره، فكيف يقع طلاقه؟

3 - وحتى لو قلنا بمؤاخذته على أقواله عل سبيل العقوبة، فكيف نوقع عليه عقوبة تسرى إلى براء، كما لوطلق امرأته في حال سكره؟

4 - أما ما استدل به على مؤاخذته عن جرائمه، فإنه استدلال مقبول، ولا يوجد ما ينقضه، ولا تمكن مساواته مع الجنون في هذه الحالة، لأن السكران هنا مجرم بسكره، ومجرم بجنايته على اللآخرين، فكيف يراعى جانبه، ويترك جانب

1 - حديث ماعز، في أنه زنى، وأقر عند الرسول عليه الصلاةوالسلام، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم، أو استنكهه ليتأكد فيما إذا كان سكراناً أم لا. وهذا يدل على أن إقرار السكران غير معتبر.

الوجيز في أصول الفقه · الصفحة ٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوجيز في أصول الفقهص ٦٩