والمراد بالعلم، علم المكلف فعلاً أو إمكان علمه: بأن يكون قادراً بنفسه أو بالواسطة على معرفة ما كلفه به، بأن يسأل أهل العلم عما كُلف به. والقرينة على إمكان علمه: وجوده في دار الإسلام، لأن هذه الدار دار علم بالأحكام لشيوعها فيها، والشيوع قرينة العلم، ولهذا قال الفقهاء: العلم مفترض فيمن هو في دار الإسلام.
وقاعدة: ((لا يصح الدفع بالجهل بالأحكام في دار الاسلام)) مبنية على ما ذكرناه، وهذا خلاف ما هو المقرر بالنسبة الى دار الحرب (أي دار غير الإسلام) إذ العلم بالأحكام الشرعية غير مفترض بالنسبة لمن فيها، لعدم شيوع الأحكام الشرعية.
- 76 -
فيها، ولهذا لو أسلم هناك شخص وجهل وجوب الصلاة، لم يلزمه قضاؤها إذا عرف
الوجوب بعد ذلك، وإذا شرب الخمر جاهلاً بالتحريم لم يعاقب على فعله إذا رجع الى دار الإسلام.
والقاعدة في القوانين الوضعية كالقاعدة في الشريعة الإسلامية، فالقانون يعتبر معلوماً لدى المكلفين إذا ما نشر بالطرق القانونية، كما لو نشر في الجريدة الرسمية ولا يشترط العلم به فعلاً.
70 - ثانياً: أن يكون الفعل المكلف به مقدوراً (1)، أي من الأفعال التي يمكن للمكلف فعلها أو تركها، لأن المقصود من التكليف: الامتثال، فإذا خرج الفعل عن قدرة المكلف وطاقته، لم يتصور الامتثال، فيكون التكليف عبثاً ينزه عنه الشارع الحكيم. ويترتب على هذا الشرط ما يأتي:
1 - لا تكليف بالمستحيل، سواء أكان المستحيل لذاته: كالجمع بين النقيضين، أم كان مستحيلاً لغيره: وهوما لم تجر العادة بوقوعه، وإن كان العقل يجوز ذلك: كالطيران بلا آلة، فإن سنة الكون ما جرت على وجود مثل هذا الفعل. فالتكليف بالمستحيل، بنوعيه تكليف بما لا يطاق، ولهذا لم يأت به الشرع.
2 - لا تكليف بما لا يدخل تحت إرادة الانسان: كتكليفه أن يفعل الغير فعلاً معيناً، لأن هذا لا يدخل تحت إرادة الإنسان وقدرته، وكل ما يستطيعه هو أن يأمر بالمعروف أو يأمر الغير بفعل معين.
و من هذا القبيل أيضاً: التكليف بالأمور الوجدانية والقلبية التي تستولي على النفس ولا يملك الإنسان دفعها، ولهذا جاء في الحديث الشريف عن النبي: mohmad 1[1]: في قسمه بين أزواجه: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك و لا أملك))، يعني في الميل القلبي لبعض أزواجه أكثر من البعض الآخر.
و كذلك الحديث الشريف: ((لا تَغْضَبْ))، ليس المراد منه: النهي عن ذات
(1) الآمدي ج 1 ح 187، ((إرشاد الفحول)) للشوكاني ص 8.
- 77 -
الغضب إذا تحققت موجباته، وإنما النهي منصب على الاسترسال في الغضب، وعلى الاندفاع في قول أو فعل لا يجوزان، إذ عليه أن يصمت و يسكت حتى تنطفيء جمرة الغضب في نفسه، كما أن على الإنسان أن يتجنب عما يثير غضبه إذا عرف من نفسه الغضب، وعدم القدرة على ضبطها، فكل هذه الأمور باستطاعته أن يفعلها لئلا يقع فيما لا يجوز نتيجة للغضب.
ويلاحظ هنا: أن الميول القلبية، و إن كانت لا تدخل تحت التكليف كما في حب الشخص لإحدى زوجتيه أكثر من الأخرى، و كحب الأب بعض أولاده أكثر من الآخرين، إلا أن عليه أن يعدل بين أولاده، أو بين زوجتيه، وأن يعطي كل ذي حق حقه، ولهذا لا يجوز أن يؤثر الأب بعض أولاده بالعطية نتيجة حبه له دون الآخرين، لأن في هذا الإيثار إيحاشاً للآخرين، وإلقاء العداء بين الإخوة ولهذا جاء النهي عنه (1).