إن بعض الناس قد ينسى أو يتناسى تلك المعاني الجميلة التي تفوح رائحتها عطراً وشذى من ذكريات عطاء الوالدين، وبذلهما وسعيهما، فيتنكر لتلك الذكريات ويقسو قلبه، وتتحجر عواطفه، وتتبلد مشاعره تجاه والديه، فيتنمر لوالديه ويتنكر لهما وهما في مسيس الحاجة إلى عطفه وحنانه ورعايته، فلا يرعى أمر الله تعالى فيهما، ووصيته بهما فيودعهما وهو قادر على إعانتهما وخدمتهما، ديار العجزة والمعوزين متلذذاً بذلك الصنيع المتناهي في الخسة والقبح , يراه تقدماً وعصرية لا يذكر إلا نفسه وأنانيتها وملذاتها، فلم يستفد من دلائل الهداية ومعالمها التي بيّن الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونصبها في كونه ونفوس خلقه.
أما الوالدان، وما يعانيان ما لقياه من هذا الولد العاق الجاف المتنمر المتنكر لهما، فلسان حالهما يردد الدعاء له بالهداية والسلامة (1).
ومن معالم الهدي القرآني فيما يتعلق بالوالدين: اقتران أمر الله تعالى بعبادته بأمره ببر الوالدين، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وهكذا بقية الآيات القرآنية التي تكلمت عن حقوق الآباء جمعت ما بين عبادة الله وعدم الإشراك به وبين طاعة الوالدين والبر بهما والإحسان إليهما، ومما نلاحظه على آيات سورة الإسراء أنها:
1. جاء الأمر فيها معبراً عنه بالقضاء، والقضاء هنا قضاء أمر لا قضاء حكم.
2. جاء لفظ الرب دون سواه للدلالة على أن هذا الأمر التكليفي هو من رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم بدلالتهم على ما ينفعهم.
3. جاء الأمر بعبادة الله تعالى مقترناً بالأمر بالإحسان بالوالدين دليلاً واضحاً على مكانة هذا الإحسان وشأنه عند الله تعالى، وأنه ما لا يتسامح فيه.
(1) سليمان البيرة: من معالم الهدي القرآني، ص18.