قال: لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (108).
فعلى الصادر من مكة أن يؤخره حتى يكون بعد جميع أموره، ولا يلزمه إعادة الطواف لو بقي بعد الوداع لانتظار رفقة أو تحميل رَحْلِه، وكذا لو اشترى حاجة في طريقه، وأنام يسيراً، أو بقي مدة لم تطل عرفاً، وهذا هو قول جماهير أهل العلم (109).
فرع في حكم ما إذا بقي مدة بعد طواف الوداع أو اشتغل بتجارة ونحو ذلك هل يعيد الطواف:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: للحنفية: ومفاده: أنه لو طاف للوداع ثم أطال الإقامة بمكة ولم ينو الإقامة بها ولم يتخذها داراً جاز طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف إلا أنّ الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر، وقد نص الكاساني في بدائع الصنائع على ذلك (110).
القول الثاني: وإليه ذهب المالكية ومفاده: أن طواف الوداع يكون متصلاً بفراق من يودع وليس شراؤه أو بيعه جهازاً أو طعاماً ساعة من نهار فاصلاً بين وداعه وسفره، وإنما يفصل بينهما مقام بوم وليلة بمكة، وقد نص على ذلك الباجي في شرح موطأ مالك وأفاد بأن ما ذكره هو على ما في مدونة مالك (111).
القول الثالث: للشافعي والحنابلة ومفاده: أنه إذا وادع واشتغل في تجارة من بيع وشراء لغير ما يحتاج إليه أو أقام مدة طويلة عرفاً، فعليه أن يعيد الوداع، وقد أشار إلى ذلك من فقهاء الشافعية الشيرازي في المهذب (112) ونص عليه النووي في المجموع (113)، ونص عليه من فقهاء الحنابلة ابن قدامة في المغني (114)، وابن مفلح في الفروع (115)، والمرداوي في الإنصاف (116)، والبهوتي في كشاف القناع (117) وغيرهم.
الترجيح:
قلت والذي يترجح لي والعلم عند الله تعالى أن طواف الوداع إنما يكون بعد نهاية أعمال المرء عندما يريد الخروج إلى أهله ليكون آخر عهده بالبيت كعادة المسافر في توديع أهله وأقاربه وأصحابه، ولا تجوز الإقامة بعده مدة طويلة عرفاً كما لا يجوز أن يؤخر عنه بعض أعمال الحج كالرمي مثلاً، لأن هذا لا يصدق عليه أن يكون آخر عهده بالبيت بل بالرمي، فإن فعل أعاده.