... لكنهم متفقون على أن المأمور به هو العينة التي تشمل التورق، وأنها مذمومة، وأن الزيادة لا تثبت في ذمة الآمر. ولا حاجة للتعليل بعد ذلك بأكثر من أن هذه المعاملة من العينة المنهي عنها بنص الحديث، فلا تثبت الزيادة في حق الآمر لأنها ربا، ويتحملها المأمور لأنه هو الذي باشر الشراء. وإذا علم المأمور أنه لا يحق له مطالبة الآمر بالزيادة فإنه سيمتنع من هذا التعامل أساساً.
(5) ... وموقف محمد بن الحسن هذا يؤكده عبارته المشهورة في العينة: «هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال، ذميمٌ، اخترعه أكلة الربا» (1) . وهذا الذم لا يقتصر على العينة الثنائية، كما تأوله البعض، بل يشمل الوساطة بالتورق كما سبق صريحاً.
خلاصة
(1) ... إن اتفاق هؤلاء العلماء على منع هذه المعاملة، مع تباين مناهجهم، ما بين أهل الرأي وأهل الحديث، وتعدد مدارسهم، ما بين المدينة إلى البصرة إلى الكوفة، يشير إلى أن منعها يستند إلى أصل صحيح يتفقون عليه جميعاً، ألا وهو منع العينة وذمها؛ إذ يقتضي هذا سدَّ الباب أمام اتخاذ البيع ذريعة للحصول على النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة.
وسبق أن الوكالة بالتورق إعانة ومساعدة للمحتاج للنقد، فإذا كانت ممنوعة دل ذلك على أن تحصيل النقد بهذا الطريق من العينة المذمومة شرعاً.
(2) ... إن الفتاوى السابقة تمنع توسط البائع لتحصيل النقد حتى بدون تواطؤ أو اتفاق مسبق بين المتورق وبين البائع، كما يظهر من سياق النصوص المنقولة عنهم. وإذا كان هذا ممنوعاً مع غياب التواطؤ، فهو مع وجوده أولى بالمنع. والتورق المنظم بالصورة التي يطبق بها اليوم يظهر فيها التواطؤ ظهوراً لا مزيد عليه، فالقول بمنعه إذن آكد وأوجب.
(1) ... «فتح القدير»، دار إحياء التراث،(6/224).