تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمثل نموذج دعاة تحديد ما هو أخلاقى بقرار جوانى، على مدى التاريخ، فى الرهبان والنساك من كل الأمم فى كل العصور. وهم أناس رائدهم هو أخلاقية العزلة عن الحياة الدنيا، ومناصبتها العداء وهجرها وترويض النفس والتقشف.

ومن المتعارف عليه بين الخاصة والعامة أن الإسلام دين يشمل الحياتين الخاصة والعامة، للفرد والدولة، وكل مجريات الحياة، والتأمل الرفيع فى السموات والأرض. ومن هنا فإن الإسلام غير متصور دون وجود أناس ينخرطون فى نسيجه، وتتشكل بينهم وبين الطبيعة وبقية البشر لحمة علاقات، يتبادلون معهم علاقة التأثير والتأثر، ويقررون لغيرهم، ويقرر غيرهم لهم. ويأتى هنا حديث مشهور للنبى صلى الله عليه وسلم، يقول فيه:" الدين المعاملة "، يعبر عن توجه الإسلام إلى الإنخراط فى شؤون الآخرين الدنيوية. فالدين -هو بالأحرى – النصيحة، أى التشاور مع الآخرين من أجل الخير. وتجد هذه الحقيقة تعبيرا عنها أيضا فى حنين حيى بن يقظان بعد اكتشافه الحقيقة، وبعد وصوله إلى غاية ما يمكن للمسعى الشخصى أن يحققه من السعادة، كما تبين سلفا، إلى الحياة وسط مجموعة من البشر (1).

ب- أمة واحدة لا تتعدد: يقول الله تعالى:" إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ "، ويقول سبحانه وتعالى:" وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ". ومعنى هذا الأمر الإلهى أن على المؤمنين أن يجعلوا لأنفسهم نقطة ارتكاز وحيدة يلتفون حولها، على هدف واحد يعلو على ما عداه، وقيمة مفتاحية تأسيسية تجمع كل أنشطتهم تحت معنى واحد شامل لها جميعا هى: عبادة الله تعالى. فالأمة واحدة فى كينونتها، ويتعين أن تظل واحدة على الدوام، لأن الله واحد، وعبادته واحدة، وإرادته المتعلقة بالجنس البشرى كله وبكل مكان وزمان، المبينة فى القرآن الكريم والسنة النبوية، والمتبلورة فى الشريعة، واحدة. والبشر جميعا سواسية أمامه، وإرادته بالنسبة لهم أفرادا وِشعوبا واحدة بشكل مطلق. فهو سبحانه لا يكلف أى شعب أو عرق أكثر أو أقل مما يكلف به كل شعب أو جنس آخر.

(1) Ibn Tufail,Hayy Ibn Yaqzan ,TR. George N.Atiah,In A Sourcebook in Mediieval Political Phlosophy , ed. Ralph Lerner and Muhsin Mahdi , Glencoe ,iii : The Free Press, 1963.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياة · الصفحة ١٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياةص ١٩١