قوله : ( إذا عرفتَ ما قلتُ لك معرفةَ قلبٍ ) : أي إذا عرفت حال المشركين من الجهل بكلمة التوحيد ببصيرتك ؛ فإن الطريق إلى المعرفة يكون بالعقل المجر، كمعرفة سائر الخلق بألوان الأطعمة والأشربة والمخترعات وغير ذلك من شؤون الحياة الظاهرة ، ويكون أيضاً : بنور البصيرة وهو نور يتبع الإيمان كما قال تعالى : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) [ ق : 37 ] . " فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من كنور العلم ، وكيف تفتح مراعاتها للعبد أبوا بالعلم والهدى ! وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها ! فإنه سبحانه ذكر عن آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة إنما تكون تذكرة لمن كان له قلب ؛ فإنه من عدم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية ! .. وصاحب القلب لا ينتفع بقلبه إلا بأمرين :
أحدهما : أن يحضره ويشهده لما يلقى إليه ، فإن كان غائباً عنه مسافراً في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به ، فإذا أحضره وأشهده لم ينتفع إلا بأن ألقى سمعه بكليته إلى ما يوعظ به ويرشد إليه . وها هنا ثلاثة أمورٍ :
أحدها ك سلامة القلب وصحته وقبوله .
الثاني : إحضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق .
الثالث : إلقاء السمع وإصغاؤه ، والإقبال على الذكر . فذكر الله تعالى الأمور الثلاثة في هذه الآية " (1) يقول الله تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) [ البقرة : 282] فإذا عرفت ذلك معرفة قلب معنى لا إله إلا الله حقاً ؛ وهو أنه لا معبود حق في الوجود إلا الله ، وعرفت ما عليه الناس من الجهل بمعناها أحدث لك فائدتين عظيمتين سيذكرهما المؤلف فيما يأتي .
(1) مفتاح دار السعادة (1/512) بتصرف .