قوله ك (ودين الله وسط بين طرفين ، وهدى بين ضلالتين ، وحق بين باطلين ) : فالأمة وسط بين أهل الملل ، والوسط يأتي بمعنى التوسط بين الشيئين ، والمراد هنا العدل الخيار ؛ فأهل السُّنة والجماعة وسط أي عدل خيار معتدلين بين الطرفين المنحرفين في جميع أمورهم ؛ قال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) [ آل عمران : 110] وقال : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) [ البقرة : 143] . وأهل السنة والحديث وسط في الفرق (1) ؛ : فدين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه ، وخير الناس النمط الوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين ، ولم يلحقوا بغلو المعتدين ، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين ، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط ، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف ، والأوساط محمية بأطرافها ، فخيار الأمور أوسطها ، قال الشاعر :
هي الوسط المحمي فاكتنفت
بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً " (2).
[ بيان أن شرك الأولين أخف من شرك المتأخرين لأمرين ]
فإذا عرفتَ أن هذا الذي يُسميهِ المشركونَ في زماننا ( الاعتقادَ ) هو الشركُ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ ، وقاتلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه ، فاعلم أن شركَ الأولين أخفُّ من شرك أهلِ وقتِنا بأمرين :
(1) - انظر التنبيهات على الواسطية ص 192، والروضة الندية ص 227.
(2) - إغاثة اللهفان ( 1/182) .