تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجه الدلالة:

قيل في معنى الإعراض المذكور في الآية الكريمة: «هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي, فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر (1) وهذا منهي عنه شرعًا؛ لأن فيه إعانة على أحد الخصمين، ومكسرة الآخر، والقاضي مأمور بالتسوية بينهما (2).

ثانيا: من السنة:

عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتُلي بالقضاء بين المسلمين, فليعدل بينهم في لفظه, وإشارته, ومقعده» (3) وروي عنها أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتُلي بالقضاء بين المسلمين, فلا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر» (4).

وجه الدلالة:

في هذين الحديثين دليل صريح على وجوب التسوية بين الخصوم في كل ما يمكن العدل فيه.

من الأثر:

ورد في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قوله: «آسِ بين الناس في مجلسك, وفي وجهك, وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك» (5).

وورد عن الشعبي أنه قال: «كان بين عمر -رضي الله عنه- وأبي بن كعب -رضي الله عنه- حائط يدعيان جميعًا، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت -رضي الله عنه- فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر -رضي الله عنه- فاستقبل, فقال: «ألا أرسلت إليَّ يا أمير المؤمنين» فقال: «في بيته يؤتى الحكم» فوسَّع له زيد عن صدر فراشه، فقال: «هاهنا يا أمير المؤمنين» فقال له عمر: «جرت في أول القضاء, ولكن أجلسُ مع خصمي» فجلسا فادعى أبي, وأنكر عمر, فقال زيد لأبي: «اعف أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره» فحلف عمر, ثم أقسم «لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء» (6).

من المعقول:

قال ابن القيم: «في تخصيص أحد الخصمين بمجلس, أو إقبال, أو إكرام مفسدتان:

إحداهما: طمعه في أن تكون الحكومة له, فيقوى قلبه وجنانه.

والثانية: أن الآخر ييأس من عدله, ويضعف قلبه, وتنكسر حجته (7).

(1) «تفسير الطبري» (9/ 307).

(2) «المغني» لابن قدامة (9/ 80).

(3) أخرجه الدارقطني في «السنن» (4/ 205) البيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 135).

(4) «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 135) رواه الطبراني في «الكبير» انظر «كنز العمال» (3/ 308).

(5) «سنن الدارقطني» (4/ 206) «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 150).

(6) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 136) قال السرخسي في «المبسوط» معلقًا على الأثر: «وهو يدل على أن الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولا يظن بهم إلا الجميل, فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق, ولا يظن بهم إلا هكذا». «المبسوط» (16/ 73).

(7) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» لابن قيم الجوزية (1/ 89).

التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التسوية بين الخصوم في مجلس القضاءص ٦