المبحث الثاني
المساواة بين الخصوم في مجلس القضاء
يحتوي هذا المبحث على مطلبين:
المطلب الأول: مساواة المسلم بغير المسلم.
المطلب الثاني: تقديم المرأة على الرجل, والمسافر على المقيم.
تمهيد
ينبغي على القاضي أن يساوي بين الخصمين في الجلوس أيضًا, فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الآخر, ولا أرفع مجلسًا منه (1).
وروي عن القاضي شريح أنه كان جالسًا وفي جانبه السري بن وقاص, فجاءه رجل وقال: «أعدني على هذا الجالس عندك» فقال شريح للسري: «قم فاجلس مع خصمك» قال: «إني أسمعك من مكاني» قال: «لا قم فاجلس مع خصمك» فأبى أن يسمع منه حتى أجلسه مع خصمه، وروي أنه قال له: «إن مجلسك يديبه، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر» (2).
وأحسن الأوضاع في جلوس الخصمين أن يكون بين يدي القاضي بدليل ما ورد عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم (3) لأنه بذلك يتحقق الخضوع التام لحكم الشارع، والشعور بالصغار أمامه, كما يحقق المساواة بينهما أيضًا (4).
فإن اختلف جلوس الخصمين بين يديه، فتقدم أحدهما على صاحبه كان القاضي بالخيار بين أن يؤخِّر المتقدم, أو يقدِّم المتأخر.
والأولى: أن ينظر فإن كان المتقدم قد جلس في مجلس الخصوم، وتأخر عنه الآخر قدَّمه عليه، وإن كان المتأخر قد جلس في مجلس الخصوم، وتقدم عليه الآخر أخَّره إليه حتى يساويا فيه (5).
وقد روي أن عمر بن الخطاب, وأبي بن كعب تقاضيا إلى زيد بن ثابت في محاكمة بينهما, فقصداه في داره, فقال زيد لعمر: «لو أرسلت إليَّ لجئتك» فقال عمر: «في بيته يؤتى الحكم» فأخذ زيد وسادته ليجلس عليها عمر، فقال عمر: «هذا أول جورك, سوِّ بيننا في المجلس» فجلسا بين يديه, ونظر بينهما، فتوجهت اليمين على عمر، فقال زيد لأبي: «لو عفوت أمير المؤمنين عن اليمين» فقال عمر: «ما يدري زيد ما القضاء, وما على عمر أن يحلف أن هذه أرض, وهذه سماء» (6).
(1) «المبسوط» (16/ 76) «شرح الخرشي» (7/ 153) «المغني» لابن قدامة (9/ 80).
(2) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (10/ 136).
(3) أخرجه أبو داود في «السنن» كتاب الأقضية, باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي؟ برقم 3588 «المستدرك» للحاكم برقم 7029 (4/ 106).
(4) «شرح فتح القدير» (5/ 469) «منح الجليل» (4/ 166) «المغني» لابن قدامة (9/ 81).
(5) «الحاوي الكبير» للماوردي (20/ 346).
(6) أخرجه البيهقي (10/ 136).