كما ينهض لرد الإلهيات من طريق لا يقل حصافة عن سابقه، فهو لا يدخل لهم إلا دخول مطالب منكر لا دخول مدع مثبت، وهو يلجأ إلى هذه الطريقة فيما يبدو لغرضين؛ لأن ذلك المبدأ يجري مع أصل من أصول الإسلام، يقول: «البينة على من ادعى»، والغرض الآخر ينكشف فيه وجه الطرافة ذلك أنه - فيما يبدو - يحرص على هذا المبدأ يأخذ منه ستارا يقف من ورائه حذر أن يخوض مع الفلاسفة مسائل قد يعتاص عليه حلها، ومن ناحية أخرى قد يكشف الحديث فيها عن خبرته ومدى معرفته بالفلسفة وخصوصا مسائلها الدقيقة، فلم لا يأتي من أخصر الطرق فيجادلهم في المسائل المعروفة، ويعارض مسائلهم بإشكالات مثلها، ويلزمهم على أصولهم إلزامات لا يقبلها العقل، فيوقفهم منه موقف الإحراج.
وكتاب «تهافت الفلاسفة»، ليس إلا مجالا لهذا النزاع بينه وبين هؤلاء «الملاحدة» ويعيي الرجل الجهد فيتصور أن هذا الجيش قد أكل قلبه الجناحين، ثم بعد أكل هذا القلب بعضه بعضا، ويظهر هذه الصورة وهذا الأمل فحوى هذا النص: «الصنف الثالث: الإلهيون: وهم المتأخرون، منهم: سقراط وهو أستاذ أفلاطون، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم،
وكفى الله المؤمنين القتال
بتقاتلهم، ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم، إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزول عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وغيرهما.» (المنقذ 85-86)، وإلى هنا يعيننا الحديث على أن نكشف صورتين يبين بهما مدى تفاعل هذا الجهد العنيف ومبلغ أثره وتأثره في المحيط والوسط وفهم الصور الباقية لحياة الرجل الروحية، وليست هاتان الصورتان إلا الصورة المنطقية للخصومة والصورة النفسية لها.
الصورة المنطقية:
إن النظرة العقلية المتتبعة للذهن الإسلامي في مراحل نموه وترقيه وملاحظة الخصومة في وضعها المتجرد بين الخصم والخصوم وانتقال الخصم في ميادين الخصام، وعلى الأصح ترقيه من مجال إلى مجال فوقه ليظهر أن التطور المنطقي للفهم النوعي للتفكير الإسلامي هو التطور المنطقي للخصومة، وهو أخيرا التطور الفردي للتفكير الغزالي، فالعقلية الإسلامية تقف عند المسلمات في طورها الأول ممثلة في النصوص الدينية من قرآن وحديث، وهي بعد تريد أن تمس العقل من بعيد فيكون لها ذلك على يد فقيه كبير هو أبو حنيفة النعمان الذي فتح بالقياس مسربا يسيل منه الدين إلى العقل حتى يكاد يوازيه عند المتكلمين، ثم بعد يريد الذهن الديني أن يصعد عند متفلسفة الإسلام إلى موضع يكون أو ينبغي أن يكون عنده قواعد اعتقادية مجردة منضبطة بضوابط منطقية، هذا تطور الذهن الإسلامي إلى القرن الخامس الهجري، ويوازي هذا تطور الخصومة، وليست فترات النضال إلا فترات الانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتى بلغ النضال مرحلته الأخيرة في النضال الفلسفي، وواضح من إضمار الخصومة للفرد العقلي الفردي أن الغزالي آثر محاذاة هذا العقل المفرد وتلاحقه بالصور والأطوار السابقة، والتي استبقينا عندها الذهن الغزالي في مرحلته هذه عند آخر مراحل للذهن النوعي الإسلامي، والتي استبقينا عندها الغزالي يدرس الفلسفة ويخاصم الفلاسفة ويعرض مشكلاتهم، هذه هي الصورة المنطقية التي تبين بما يوازيها من الصورة النفسية الآتية.
الصورة النفسية:
لكن هذه الصورة عسيرة، لأنها دقيقة، ولأنها لا تستلزم من الباحث وحسب الملاحظة المباشرة لمادة اللفظ وضوابط المعنى، بل تلزمه التمرس بالحياة الإسلامية من ناحية ومعاشرة الغزالي إن صح هذا التعبير فيكسب بذلك ألفة، يفهم منها مكنونات الذهن ومضمرات الحديث ومراميه، ويكاد دارسو هذه الناحية لا يتفقون عند صفة نفسية واحدة للروح الجمعي الإسلامي وإن كانوا قد وقفوا على بعض الصفات للنفسية الغزالية.