... على أنه ينبغي ألا نندهش لهذا التقلب السريع، فقد كان ابن دراج من هؤلاء الشعراء التعسين الذين جنت عليهم «الفتنة» القرطبية(2): فراحوا يستجدون بشعرهم كل ثائر، دائرين مع الريح حيث دارت، باكين مع ذلك مجد الأندلس الذي عصف به سقوط الخلافة الأموية، وهكذا كان شعر القسطلى الهاشمي قليل النصيب من الصدق والإخلاص، على رغم إحكام صنعته واهتمامه الفائق بالأسلوب(3).
... ابن شهيد
... وكذلك كان شاعر آخر ليس أقل من ابن دارج شهرة، هو أبو عامر بن شُهَيْد (ت 426/ 1034). وهو يشترك مع سابقه في أنه من الشعراء الذين وصفوا «الفتنة»، وقد رثى قرطبة بقصائد مؤثرة عرَّض في أثنائها بالبربر وبدعوتهم الشيعية، وربما كان من أجل ذلك الاضطهاد الذي لحقه من جانب الحموديين
(1) Blachère: La vie et l’œuvre du poète-épistolier andalou Ibn Darrag al Kastalli Hesperis, t. XVI 1933 (p. 99-121) p. 111
(2) Garc?a G?mez: Algunas precisiones sobre la ruina de C?rdoba Omeya, Al-Andalus, vol. XII 1947 p. 273.
(3) Blachère: op. cit. 118
[49] ... التشيع في الأندلس ... 141
فترة من الزمن(1)، ولكنه اضطر بحكم السياسة أن يمدح العلويين ولعله فعل بعد أن يئس من عودة الدولة الأموية، ولهذا فنحن نراه هارباً من قرطبة لاحقاً بيحيى المعتلى بن علي بن حمود (ت 421/ 1030) في مالقة، وقد صور في شعره هذا التحول إلى الحزب الشيعي مندداً ببني أمية:
لئن أَخْرَجَتْنِي عنكمُ شر عصبة ... ... ففي الأرض إخوانٌ عَلَيَّ أكارمُ
وإن هشمت حقى أمية عندها ... ... فهاتا على ظهر المحجة هاشم(2)
... ويبدو أن الحموديين في مالقة أحسنوا استقباله، وحاولوا أن يجعلوه من ألسنتهم، حتى إنه ليعترف بفضلهم عليه وإيوائهم له وذلك في بعض رسائله(3)، ولكن أيا عامر لم يكن مع ذلك مخلصاً للدعوة العلوية، ثم إنه اعتزل السياسة أخيراً وكان له في إكبابه على لذاته ما يشغله عن هذا التناحر السياسي الديني.