ذلك(1) هذا إلى طائفة كثيرة من التعاليم التي أخذها ابن مسرة عن الأفلاطونية الحديثة أو من المدارس الاعتزالية عن طريق الباطنية. وقد استمر تلاميذ ابن مسرة متأثرين بهذه الآراء وظلت آثارهم واضحة فيمن تلاهم من مفكري الأندلس ومتصوفتها. غير أن الدولة رأت أن أمثال هؤلاء المفكرين الذين يتجهون اتجاها باطنياً إنما يكونون خطراً حقيقياً على الدولة إذ أنهم كانوا من ناحية عاملا من عوامل التفكك المذهبي ومن ناحية أخرى فإنهم ربما كانوا أدوات ـ ولو من طريق غير مباشر ـ للسياسة الفاطمية التي كانت تطمع في تحطيم دولة بني أمية.
... منذر بن سعيد البلوطى
... وبرغم ذلك فقد كان هناك من المفكرين من نزع إلى اتجاه شيعي معتدل دون أن يكون خطراً يهدد الدولة، ومن أمثلة هؤلاء منذر بن سعيد البلوطي (ت 355) الذي وصل إلى منصب قاضي الجماعة بقرطبة. وقد خالف منذر جمهور علماء عصره كذلك في مذهبه الفقهي فبينما كانت الدولة تدين بمذهب مالك نراه هو ينزع إلى المذهب الظاهري ويؤلف في الدفاع عنه كتباً، على أنه كان حريصاً برغم ذلك على احترام وحدة الدولة من الناحية المذهبية فكان إذا جلس للقضاء لا يحكم إلا بمذهب مالك(2)، وهذا ما يجعلنا نعتقد أن منذراً لم يحاول أن يفرض تشيعه على الناس بل احتفظ به لنفسه ولم يجعل له أثراً في حياته الرسمية إذ كان يتولى أكبر المناصب بعد الخليفة.
... أما مصادر تشيع منذر فمن الممكن أن نردها إلى ثلاثة: أولا أصله فإنه
(1) اختلفت الفرق الإسلامية في تأويل «العرش» في قوله تعالى «الرحمن على العرش استوى» ففسره أهل السنة بظاهر اللفظ من أنه العرش أو سرير الملك وأما المعتزلة فقالوا إنه يقصد به الملك وذهب الإسماعيلية إلى أن العرش إنما هو العقل الأول والمبدع الذي صدرت عنه المخلوقات ـ راجع كامل حسين: ديوان المؤيد داعي الدعاة 116
(2) المقرى: نفح 2/ 228
110 ... محمود على مكي ... [18]