وخذ مثالاً آخر خبر شبيب بن يزيد الخارجي رجل من شجعان الخوارج ومن أبطالهم، كان يضرب به المثل في القوة والبأس والشدة، وكان يقاتل الحجاج وهو زوج غزالة المعروفة التي حصرت الحجاج، وكاد الحجاج يهلك في ذلك الحصار المشهور؛ فالحاصل أن شبيباً هذا كان يسير في فرسه بجوار نهر في الأهواز فاضطرب به الفرس فسقط وعليه درع من حديد في هذا النهر فغرق، فيقولون: إن جند الحجاج استخرجوه من هذا النهر، ثم أمر الحجاج فشقوا صدره، هذا يضرب به المثل بالشجاعة، يقول: فلما شقوا صدره واستخرجوا قلبه وجدوا قلباً آخر معه، يعني له كم قلب؟ له قلبان، وهذا أمر مستحيل، والله -عز وجل- يقول: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [(4) سورة الأحزاب].
وفي بعض أقوال السلف في تفسير هذه الآية أن رجلاً من قريش كان يقال له: ذو القلبين، ولما كانت غزوة بدر، وانهزم المشركون لقيه أبو سفيان -وأبو سفيان كان في العير- أبو سفيان ومعه نعلاً في يده والنعل الآخر في رجله، فقال له أبو سفيان: ما هذا؟ فتبين لهم أن الرجل قد غفل وذهل من شدة الخوف الذي أصابه، فلم يشعر طول هذه المدة التي كان يجري فيها أن نعلاً في رجله ونعلاً في يده، فعرفوا أن له قلباً واحداً، فكانوا يعتقدون أن له قلبين وهذا أمر مستحيل، فالحاصل يقولون: أن الحجاج لما شق صدر شبيب الخارجي وجد في صدره قلبين هذا كذب، ويقولون: وجدوه يميل إلى السواد، بل وجدوه أسوداً، وكانوا يضربون به الأرض فيرتفع على قامة رجل، يعني متر وستين سانتي تقريباً يرتفع، هذا ولا كرة، ويقولون: قلبه كان قوي جداً، وكان إذا ضربوا به الأرض ارتفع على قامة رجل، ويقولون: أن أمه حينما مات أرضعته من أتان، يعني من حماره فصارت له هذه الشجاعة، ونحن لا نعرف إلا أن الحمار يوصف بالبلادة، ومن رضع من حمار فلا يبعد أن يكتسب شيء من صفاته، لا أنه يكتسب هذه القوة وهذه الشجاعة كما هو معلوم.