و لم يحدَّ من انتشار الأضرحة و الغلو في أصحاب القبور موقف بعض العلماء المتأخرين ، حتى و إن اعتبروا بعض ما يجري عند الأضرحة و المزارات شركاً مخرجاً من الملَّة ، كقول الأستاذ حسين جوزو : (( لا أثر للاختلاف في التسمية ، فقد كانت الأوثان في عصر النبوَّة تسمى لات و عزَّى ، و نحو ذلك ، و تسمى اليوم مزاراً أو ضريحاً أو مرشداً أو تميمة ، أو غير ذلك ، و كلُّها أوثان ، لأنَّ الناس يقصدونها لطلب المدد ، و يسألونها الشفاعة )) (1) .
ربَّما لما عرف عن المشائخ المعارضين لما يجري عند الأضرحة و المزارات من تجاوزات ، و أفعال مخالفة للشرع الحنيف ، من سكوتٍ عن منكرات كانت شائعة في زمانهم ، أو ممالأة للحكم الشيوعي الذي عاصروه .
أو لأنَّ هذه الدعوات جاءت متأخرةً جداً ، و بعد أن فقد كثيرٌ من المسلمين أبسط مظاهر انتمائهم إلى الإسلام ، ممَّا جعل المتعلِّقين بالأضرحة لا يعرفون من الإسلام إلاَّ تعلُّقلهم و استغاثتهم بالأموات ، ظناً منهم أنَّ هذا السلوك هو ما تبقى من الإسلام ، و يجب عليهم أن يتمسَّكوا به مهما اشتدَّت المعارضة لهم أو تعالى النكير عليهم .
عُرف عن أهل البوسنة بالإضافة إلى غلوِّهم في الصالحين ، و اهتمامهم المفرط بأضرحة الأولياء ، تمسُّكهم ببعض المظاهر البدعيَّة في دفن موتاهم ، و من
ذلك (2) :
نقش رموز مختلفةٍ على قبور موتاهم مثل الهلال و النجوم و السيف و القوس ، و في بعض الأحيان أجزاء من جسم الإنسان كالرأس و اليد ، و ما إلى ذلك .
و جود المقابر القديمة للمسلمين بالقرب من مقابر النصارى ، الأمر الذي يستدلُّ به بعض الكتَّاب على أنَّ أصحابها من حديثي العهد بالإسلام كانوا يحرصون على البقاء على مقربة من أقربائهم النصارى حتى بعد الموت .
(1) ... حسين جوزو : الإسلام و العصر ، ص : 150 .
(2) ... نياز شكريتش : انتشار الإسلام في البوسنة و الهرسك ص : 190 ، 191 .