وليس هذا بكثير على أمة اتخذت العلم لها ديناً وديدنا، وعبادة وعملاً،وسلوة وسلواناً. حتى أخرجت للعالم أصنافاً جديدة من العلم لاعهد له بها من قبل، بل وأشكالاً مبدعة غريبة معجزة من صور الكتابة وتنسيق الكلام والتصرف بالأحرف والكلمات، فهذا مثلاً كتاب " الشرف الوافي " وهو من أعجب الكتب، يتكلم في علوم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي دفعة واحدة في آن واحد، كأنه إنسان بخمسة ألسن: فإذا قرأته قراءة عادية من أول السطر إلى آخره أفادك علماً وإذا قرأت أول كلمة من السطر الأول، ثم أول كلمة من أول السطر الثاني، وتابعت هكذا في الأسطر الأخرى أفادك علماً آخر، وإذا قرأت من آخر السطرالأول ثم من آخر السطر الثاني كلماته الأخيرة أفادك علماً ثالثاً، وثمة طريقة أخرى تستخرج بها علماً رابعاً وخامساً. ومن لا يصدق هذا فالكتاب مطبوع متداول معروف، ويمكن الرجوع إليه بسهولة... إن طريقته في الكتابة والتأليف تكاد تكون معجزة لغوية ناطقة.
بل إن عالماً آخر هو الشيخ محمد أمين بن صدر الدين الشرواني المتوفى سنة ست وثلاثين وألف للهجرة جمع كتاباً للسلطان أحمد العثماني أورد فيه ثلاثة وخمسين علماً من أنواع العلوم العقلية والنقلية سماه (الفوائد الخاقانية الأحمدية الخانية) ورتبه ـ وهنا بيت القصيد ـ على مقدمة وميمنة وميسرة وساقة وقلب، على نحو ترتيب جيش السلطان. المقدمة في ماهية العلم وتقسيمه.. والقلب في العلوم الشرعية.. والميمنة في العلوم الأدبية والميسرة في العلوم العقلية ـ وقد أورد منها ثلاثين علماًـ والساقة في آداب الملوك. وإنما اقتصر على ذلك العدد ليكون موافقاً لعدد (أحمد)، وهو اسم السلطان على حسب حساب أبجد.
نظرة كلية جامعة للعلوم.