تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبه نعلم أن كثيراً من الناس الذين يصلون أرحامهم الأبعدين ويقصرون في الأقربين ودوافعهم في ذلك شيء من نزوات النفس الباطنة, سواء لحظ من حظوظ الدنيا من المال والجاه وغير ذلك، أن هذا عمل من الأعمال الصالحة مدخول, وينبغي للإنسان أن يبتعد عنه وأن يحذر منه.

وبه نعلم أيضاً أن المتقرر في الشريعة أن الأحكام الشرعية إذا دل الدليل على كونها من عظائم الأعمال من الأمور في الطاعات مما تقدم الكلام عليه من أمر التوحيد وصلة الأرحام، وأدخل الإنسان شيئاً من ذلك لغير الله جل وعلا في نيته كان الأثر والعاقبة في حقه أعظم, بخلاف الأمور التي حث الشارع عليها حثاً ليس على سبيل الإلزام, فدخول النية فيها لغير الله جل وعلا أخص, وهذا من نظر إليه وجد أنه مطرد, فكل ما شدد فيه الشارع العزم فيجب فيه على الإنسان الإخلاص, وأن يتحرى فيه على سبيل الاحتياط والقوة؛ لأن الخروج من ذلك ضرب من ضروب الشرك وإحباط العمل وسوء العاقبة عند الله جل وعلا.

ويلي بعد ذلك إذا قلنا: إن الأول الأم, ولها مراتب متباينة، الأم ثم الأم ثم الأم, ثم بعد ذلك يكون الأب, يلي بعد ذلك أدنى الناس وأدناه من الأرحام, وأولى ما يكون بعد ذلك هم الأبناء.

والأبناء أولى من الإخوة وهم يلون الآباء, فإن الإنسان ما استحق أبوه من جهة بره له إلا لكونه أباً وهو ابن, ولما كان كذلك وجب أن يكون متبادلاً من جهة الابن لأبيه ومن جهة الأب لابنه, فلما دل الدليل في الشرع على أحقية الأبوين في الصلة يجب عليه أن يصل، وأن يقدم أمه وأن يقدم أباه؛ وجب عليه كذلك أن يعلم أنه لما كان الحق منصرفاً منه إلى أبيه وصادراً منه إلى أبيه، وجب أن يُعلم أن المرتبة الثانية أن يصدر من أبيه إلى ابنه, فيجب عليه أن يصل ابنه، والحق في ذلك متنازع، والكمال في ذلك أن يصل الابن أباه, ثم بعد ذلك أن يصل الأب ابنه في حال القطيعة.

وإذا قطع الابن أباه فليس للأب أن يقول: إن الواجب لي عليه، وليس له علي حق, وهذا نوع من القصور في الفهم, وإن كان يجب على الأب أن ينفق على ابنه حتى يشتد عوده، وإن كان فقيراً بعد ذلك حتى بعد قدرته الجسدية، وإن كان عاجزاً يجب عليه أن ينفق عليه باتفاق العلماء، ولا خلاف عندهم في ذلك.

وكذلك في مسألة العكس بالنسبة للابن لأبويه, وهذا لا خلاف فيه عند العلماء إلا في بعض فروعه إذا طلب الأب أو الأم من الابن شيئاً زائداً عن الحاجة على سبيل الكمال والترف أو الإسراف، وهذه أمور تقدر بقدرها.

ثم يلي الأبناء بعد ذلك الإخوة والأخوات, وأيهما أولى الذكور أو الإناث من جهة التأكيد؟

قال بعض العلماء: لما قدم الشارع الأم على الأب دل على تقديم الإناث على الذكور على الإطلاق, وهذا

الترغيب في صلة الأرحام · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الترغيب في صلة الأرحامص ١٠