تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الحافظ: وَمَحَلّه – أي النهي عن التحريق - إِذَا لَمْ يَتَعَيَّن التَّحْرِيق طَرِيقًا إِلَى الْغَلَبَة عَلَى الْكُفَّار حَال الْحَرْب. (1)

قال الحافظ: وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي التَّحْرِيق: فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْر أَوْ فِي حَال مُقَاتَلَة أَوْ كَانَ قِصَاصًا.

وَأَجَازَهُ عَلِيٌّ وَخَالِد بْن الْوَلِيد وَغَيْرهمَا.

وَقَالَ الْمُهَلَّب: لَيْسَ هَذَا النَّهْي عَلَى التَّحْرِيم بَلْ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع , وَيَدُلّ عَلَى جَوَاز التَّحْرِيق فِعْل الصَّحَابَة , وَقَدْ سَمَلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ بِالْحَدِيدِ الْمَحْمِيّ , وَقَدْ حَرَقَ أَبُو بَكْر الْبُغَاة بِالنَّارِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَة , وَحَرَقَ خَالِد بْن الْوَلِيد بِالنَّارِ نَاسًا مِنْ أَهْل الرِّدَّة , وَأَكْثَر عُلَمَاء الْمَدِينَة يُجِيزُونَ تَحْرِيق الْحُصُون وَالْمَرَاكِب عَلَى أَهْلهَا قَالَهُ النَّوَوِيّ وَالأَوْزَاعِيُّ.

وَقَالَ اِبْن الْمُنِير وَغَيْره: لا حُجَّة فِيمَا ذُكِرَ لِلْجَوَازِ , لأَنَّ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ كَانَتْ قِصَاصًا أَوْ مَنْسُوخَة كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَجْوِيز الصَّحَابِيّ مُعَارَض بِمَنْعِ صَحَابِيّ آخَر , وَقِصَّة الْحُصُون وَالْمَرَاكِب مُقَيَّدَة بِالضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلظُّفْرِ بِالْعَدُوِّ.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِأَنْ لا يَكُون مَعَهُمْ نِسَاء ولا صِبْيَان كَمَا تَقَدَّمَ.

وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَظَاهِر النَّهْي فِيهِ التَّحْرِيم , وَهُوَ نَسْخ لأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّم سَوَاء كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ , وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ قَصَد إِلَى ذَلِكَ فِي شَخْص بِعَيْنِهِ.

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَذْهَب مَالِك فِي أَصْل الْمَسْأَلَة وَفِي التَّدْخِين وَفِي الْقِصَاص بِالنَّارِ. (2)

قال ابن قدامة: أَمَّا الْعَدُوُّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ

وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ.

وَفَعَلَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا.

فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ

(1) الفتح (6/ 173).

(2) الفتح (6/ 174).

الترغيب في الجهاد · الصفحة ٨٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الترغيب في الجهادص ٨٥٨