(وَهُمْ غَارُّونَ) جَمْع غَارّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ غَافِل , أَيْ أَخَذَهُمْ عَلَى غِرَّة.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَوْن وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّ نَافِعًا اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل الْقِتَال
عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ:
((كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ:
إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بنت الْحَارِثِ وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ)) (1)
(وَهُمْ غَارُّونَ) أَيْ: غَافِلُونَ.
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز الْإِغَارَة عَلَى الْكُفَّار الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِنْذَار بِالْإِغَارَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي.
أَحَدهَا: يَجِب الْإِنْذَار مُطْلَقًا , قَالَهُ مَالِك وَغَيْره. وَهَذَا ضَعِيف.
وَالثَّانِي: لَا يَجِب مُطْلَقًا وَهَذَا أَضْعَف مِنْهُ أَوْ بَاطِل.
وَالثَّالِث: يَجِب إِنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَة , وَلَا يَجِب إِنْ بَلَغَتْهُمْ , لَكِنْ يُسْتَحَبّ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَبِهِ قَالَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر , وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر وَالْجُمْهُور.
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى مَعْنَاهُ , فَمِنْهَا هَذَا الْحَدِيث , وَحَدِيث قَتْل كَعْب بْن الْأَشْرَف , وَحَدِيث قَتْل أَبِي الْحُقَيْق.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز اِسْتِرْقَاق الْعَرَب ; لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِق عَرَب مِنْ خُزَاعَة , وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد , وَهُوَ الصَّحِيح , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حَنِيفَة
(1) رواه مسلم في الجهاد والسير باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة (3260)، وأبو داود في الجهاد (2263)، وأحمد (4625)