بعض الآداب والأحكام المتعلقة بالجهاد
عدم تمني لقاء العدو:
قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ)) (1).
قال الحافظ: قَالَ اِبْن بَطَّال: حِكْمَة النَّهْي أَنَّ الْمَرْء لا يَعْلَم مَا يَئُول إِلَيْهِ الأَمْر , وَهُوَ نَظِير سُؤَال الْعَافِيَة مِنْ الْفِتَن , وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيق " لأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِر ".
وَقَالَ غَيْره: إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَّنِي لِقَاء الْعَدُوّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَة الإِعْجَاب وَالإِتْكَال عَلَى النُّفُوس وَالْوُثُوق بِالْقُوَّةِ وَقِلَّة الاهْتِمَام بِالْعَدُوِّ , وَكُلّ ذَلِكَ يُبَايِن الاحْتِيَاط وَالأَخْذ بِالْحَزْمِ.
وَقِيلَ: يُحْمَل النَّهْي عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ الشَّكّ فِي الْمَصْلَحَة أَوْ حُصُول الضَّرَر , وَإِلا فَالْقِتَال فَضِيلَة وَطَاعَة.
وَيُؤَيِّد الأَوَّل تَعْقِيب النَّهْي بِقَوْلِهِ " وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة " وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مُرْسَلاً " لا تَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ عَسَى أَنْ تُبْتَلَوْا بِهِمْ ".
وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: لَمَّا كَانَ لِقَاء الْمَوْت مِنْ أَشَقّ الأَشْيَاء عَلَى النَّفْس وَكَانَتْ الأُمُور الْغَائِبَة لَيْسَتْ كَالأُمُورِ الْمُحَقَّقَة لَمْ يُؤْمَن أَنْ يَكُون عِنْد الْوُقُوع كَمَا يَنْبَغِي فَيُكْرَه التَّمَنِّي لِذَلِكَ وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنْ اِحْتِمَال أَنْ يُخَالِف الإِنْسَان مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسه , ثُمَّ أُمِر بِالصَّبْرِ عِنْد وُقُوع الْحَقِيقَة اِنْتَهَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَنْع طَلَب الْمُبَارزَة , وَهُوَ رَأْي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَكَانَ عَلِيّ يَقُول: لا تَدْعُ إِلَى الْمُبَارَزَة , فَإِذَا دُعِيت فَأَجِب تُنْصَر , لأَنَّ الدَّاعِي بَاغٍ. (2)
(1) رواه البخاري في الجهاد والسير باب لا تمنوا لقاء العدو (3024) ويأتي بتمامه.
(2) الفتح (6/ 181).