(نُصِرْت بِالرُّعْبِ) زَادَ أَبُو أُمَامَةَ " يُقْذَفُ فِي قُلُوب أَعْدَائِي " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. قَوْله: (مَسِيرَة شَهْر) مَفْهُومه أَنَّهُ لَمْ يُوجَد لِغَيْرِهِ النَّصْر بِالرُّعْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّة وَلا فِي أَكْثَر مِنْهَا , أَمَّا مَا دُونهَا فَلا , لَكِنَّ لَفْظ رِوَايَة عَمْرو بْن شُعَيْب " وَنُصِرْت عَلَى الْعَدُوّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنهمْ مَسِيرَة شَهْر " فَالظَّاهِر اِخْتِصَاصه بِهِ مُطْلَقًا , وَإِنَّمَا جَعَلَ الْغَايَة شَهْرًا ; لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْن بَلَده وَبَيْن أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِهِ أَكْثَر مِنْهُ , وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّة حَاصِلَةٌ لَهُ عَلَى الإِطْلاق حَتَّى لَوْ كَانَ وَحْده بِغَيْرِ عَسْكَر , وَهَلْ هِيَ حَاصِلَة لأُمَّتِهِ مِنْ بَعْده؟ فِيهِ اِحْتِمَالٌ.
(وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِم) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ , مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي الْجِهَاد فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَغَانِم , وَمِنْهُمْ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ لَكِنْ كَانُوا إِذَا غَنِمُوا شَيْئًا لَمْ يَحِلّ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَجَاءَتْ نَار فَأَحْرَقَتْهُ.
وَقِيلَ: الْمُرَاد أَنَّهُ خُصّ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْغَنِيمَة يَصْرِفهَا كَيْف يَشَاء , وَالأَوَّل أَصْوَب وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَضَى لَمْ تَحِلّ لَهُمْ الْغَنَائِم أَصْلاً , وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْجِهَاد.
(9) اتخاذ شهداء.
قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (1).
"فالشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء، تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو". قاله ابن القيم في "زاد المعاد".
فأين هذه الحكمة العظيمة الجليلة من هؤلاء الذين ينفرون المسلمين من الجهاد، ويخوفونهم منه، ويصورون الجهاد على أنه موت، وترمل للنساء، ويتم للأطفال؟!
(1) آل عمران/140 - 141