تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلمية للمعرفة انعداماً كاملاً، فبينما ركزت الفلسفة التي سادت أوربا على اتخاذ الوحي مصدراً وحيداً للمعرفة، وقننت إجراءات جزائية صارمة لمن يتجاوز ذلك في عصورها الوسطى، انتقلت إلى العقل بشكل كامل واتخذته مصدراً أساسياً، ونبذت الوحي وراءها، ولم تقف عند هذا الحد بل جاء دور النبذ للعقل ليتجه التطرف إلى الطبيعة التي اتخذوها إلهاً للمعرفة وما عداها تخيلات وأوهام.

أما القرآن فقد اتسم بالتوازن في طرحه، فاتخذ الوحي مصدراً أساسياً غير قابل للخطأ، وركز على العقل وإدراكاته في منظومة متكاملة بين هداية العقل وهداية الوحي، قال تعالى: "إِنَّ هَذَا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " [الإسراء: 9]، وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا " [النساء: 28]. (1)

وأما الطبيعة فهي مصدراً وكتاباً مفتوحاً للمعرفة، قال تعالى:" وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ " [سورة الذاريات:20 ـ 21]، وقوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " [فصلت: 53]. وهناك موازنة ووسطية أخرى في القرآن، اختلف فيها عن الفلسفات الأخرى، وهي أن الفلسفات الأخرى اختلفت في الاعتماد على المدارس النظامية وغير النظامية فبعضها اهتمت بالأولى وأهملت الثانية كالمدرسة الاشتراكية (2)، لكن الإسلام أعطى لكل منهما دوره في بناء وتربية المجتمع، فلم يقدم المدرسة النظامية في التربية على غير النظامية بل كل منهما متكاملان يكمل أحدهما الأخرى. (3)

(1) - فقه التربية: علي رضا اعرافي: ج 2: ص 144.

(2) - التعليم في الاتحاد السوفيتي: جورج كاونتس: ص: 69، ترجمة محمد بدران.

(3) - خصائص المنهج التربوي في القرآن وطرقه الدكتور السيد نذير يحيي الحسني.

التربية في القصص القرآني · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التربية في القصص القرآنيص ١٢