تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وغير ذلك كثير في كتب الحديث والطبقات، أما أهل المداهنة فإنهم لا يؤدون الأمانة بسبب قلة الورع ، فلذلك قيل:

... ( ... فإن كان مداحا مداهنا : لم يلتفت إلى الورع ، بل ربما أخرج مساوئ الكبير وهناته في هيئة المدح والمكارم والعظمة) (1).

... وقد يكون الخروج من العدل إلى الظلم ، أو من الأنصاب إلى المبالغة ، أو من الصدق إلى المداهنة لأسباب كثيرة، فقد يكون الذم بسبب الكره والبغض أو الحسد، أو المنافسة على المراتب ، أو ظن فاسد ، وغير ذلك ، كما يكون المدح لحاجة خاصة، إو إعجاب طارئ ، وكل ذلك دلالة على عدم الإنصاف ومن يخس الناس أشياءهم ، وهو مناقض لقوله تعالى : ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ).

... بل من إنصاف المقوم لنفسه الاعتدال والورع فقد تتبدل النفوس وتتغير الأحوال، فقد روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال:

... ( لا يكن حبك كلفاً ، ولا بغضك تلفا، فقلت: كيف ذاك؟ قال : إذا أحببت كلفت كلف الصبى ، وإذا أبضغت أحببت لصاحبك التلف ) (2).

التقوى .. مفتاح العدل

... ولذا كان الورع لا بد منه ، ويشترط هذا الشرط للمقوم كما اشترط العلماء ذلك لأهل الجرح والتعديل وللمؤرخين ، ولا بأس ينقل ما ذكره السبكي في هذا الشرط للمؤرخ فقال:

... ( وهم على شفا جرف هار ، لأنهم يتسلطون على أعراض الناس، وربما نقلوا مجرد ما يبلغهم من كاذب أو صادق ، فلا بد أن يكون المؤرخ عالماً عادلاً عارفاً بحال من يترجمه ، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمله على التعصب له ، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغض منه ... ) (3).

... ولعل هذه الخصائص من أهم مبررات حصر العملية التقويمية في الجماعة المسلمة، في إطار ضيق ومعين ، تحقيقاً للمصالح العامة ، ودفعاً لجملة المفاسد المترتبة عليها.

ومن العدل .. الموازنة

(1) - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي.

(2) - الأدب المفردي للبخاري.

(3) - معيد النعم ومبيد النقم للسبكي.

التقويم الدعوي · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التقويم الدعويص ١١