الذي يظهر أن التسبيح أقرب ما يكون إلى الإيمان والاعتقاد، بينما التقديس يشير إلى الإسلام والطاعة؛ فالتسبيح: هو تنزيه الله تعالى عن كل نقص؛ وحين يخصص الملائكة التسبيح بأنه تسبيح بالحمد؛ فذلك يعني "أننا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال"(1)، وهذا هو الجانب الاعتقادي الإيماني في الدين.
وأما التقديس فمعناه: التطهير؛ تطهير النفس وتطهير الواقع الخارجي، ومعنى نقدس لك:" أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها"(2)، وهل يصلح السلوك إلا بصلاح التصور؟ وهل يكون العمل الصالح إلا تالياً للإيمان ومقترناً به؟، لقد ورد في القرآن وصف الأمكنة بالتقديس، ( بالواد المقدس)، ( الأرض المقدسة)، وجاء في السنة الحديث عن تقديس الناس، (كيف يقدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من قويها)(3)، والمعنى واحد لأن تقديس المكان يحصل بتطهيره من غلبة الأشرار، وتقديس الناس بتزكيتهم أو بإظهار خيارهم. وقد ورد اسم الله تعالى "القدوس" مرتين تالياً لاسمه سبحانه الملك، ( الملك القدوس)، ما يشير إلى علاقة التقديس بالمُلك، في سورتي الحشر والجمعة، وأولاهما تتحدث عن جلاء بني النضير، ومعنى التقديس هنا واضح، وأما سورة الجمعة فتتحدث عن بعث محمد - صلى الله عليه وسلم -، في الأميين، ليتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، و"يزكيهم"، فضلاً عن اتصال يوم الجمعة بخلق آدم وإسكانه الأرض واستخلافه فيها، لما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (خير يوم طلعت فيه الشمس: يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة) (4).
(1) …البقاعي، نظم الدرر، (1/88).
(2) …البقاعي، نظم الدرر، ( 1/88).
(3) …الألباني، صحيح الجامع الصعير وزيادته، رقم: (459).
(4) صحيح مسلم، رقم: ( 854).