وهذا الحذق هو ما عليه أهل الكلام والنظر – ومن تبعهم من المرجئة كالأشاعرة ونحوهم – حيث ظنوا أن التوحيد المطلوب هو أن الله تعالى واحد في أفعاله لا شريك له ، وأن صانع العالم واحد ، وأن معنى الإلهية القدرة على الاختراع ، وكذلك أهل التصوف – أدعياء التحقيق والمعرفة – يجعلون توحيد الربوبية هو الغاية التي لا غاية وراءها (1).
ولما حصر أهل الكلام والتصوف التوحيد في ربوبية الله تعالى وأفعاله ، ففي المقابل فإن الشرك – عندهم – هو اعتقاد التدبير والربوبية لغير الله تعالى ، ومن ثم فإن من ذبح لغير الله تعالى ، أو استغاث بالأموات – مثلاً- فلا يعد مشركاً عندهم ما دام أنه لا يعتقد في الأموات تدبيراً أو إيجاداً !
وهذا المفهوم الفاسد للتوحيد وما يضاده كان سبباً رئيساً في ظهور الشرك وانتشاره في بلاد المسلمين والله المستعان .
إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب ، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) ( النساء : 48) وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرِهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه ، وعرفت ما أصبح غالب الناسِ عليه من الجهلِ بهذا ؛ أفادك فائدتينِ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله : (( إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب ، وعرفت الشرك بالله )) :
يؤكد الشيخ على ضرورة معرفة القلب وفهمه ، ومن ذلك قوله : (( مصداق كلامي لكم مراراً عديدة أن الفهم الذي يقع في القلب غير فهم اللسان )) (2)
يؤكد الشيخ – رحمه الله – على معرفة الشرك والتحذير منه والنهي عنه ، فالنهي عن الشرك ، يستلزم الكفر بالطاغوت ، كما حرره المصنف بقوله :
(1) - انظر : التدمرية ص 179-187 ، والدرء 1/228 .
(2) - تاريخ ابن غنام 2/ 274