اختلف الأصوليون في تصويب المجتهدين، فمن قائل إن المصيب واحد، وقائل بأنهم مصيبون جميعاً، وسواء قلنا هذا أم ذاك فلم يقل أحد في حالة قولنا بان المصيب واحد بأننا نستطيع القطع بأن المصيب قول فلان لا في مذهب ما برمته ولا في مسألة بعينها، وإنما نحن نرجح بالأدلة –إذا كنا أهلاً لذلك- ما نرى صحته وفقاً للقواعد المنظمة لفهمها وتطبيقها والأدلة الواردة فيها، كما أن القول بأن المصيب واحد هو بالنسبة إلى علم الله أما نحن فقد نجهله، ولهذا قد نضعف قولاً ما نظراً لضعف حديثه مثلاً بسبب وجود علة قادحة في سنده في حين أنه صحيح في نفس الأمر، ولكنه لم يصل إلينا إلا بهذا الإسناد الضعيف، ومع هذا فنحن مأمورون باتباع ما نراه صحيحاً.
نخلص من هذا كله إلى أن التكفير بالخلافيات لا يجوز، وقد نبه علماء الإسلام إلى هذا فقالوا: "التكفير لا يكون بالظنيات" (1) فكون أنني أقول بالجواز في مسألة ما لا يعني هذا كفر من خالفني أو خالف من أقلده أو أتبعه.
لقد نص العلماء استناداً إلى النصوص الظاهرة إلى تقعيد قاعدة مهمة وهي أن لا إنكار في المسائل الخلافية، فكيف الحكم بالتكفير.
إن التكفير بالخلافيات ليس من منهج أهل الحق، ونصوص علماء الإسلام متظافرة على هذا الأصل وبيانه أتم وأوضح بيان.
إن منهج التكفير بالخلافيات والظنيات منهج مبتدع ظهر في عصر الإمام علي عند من يسمون بالخوارج، والذين ناقضوا القرآن والسنة، وعلماء الأمة الراشدة، والذي قادهم فكرهم هذا إلى ما لا تحمد عقباه.
ثانياً: التكفير بما هو مختلف في تكفيره:
من القضايا التي يختلف فيها الفقهاء الحكم على قول أو فعل ما بالكفر أو عدمه، ويلاحظ توسع بعض المذاهب في هذا الباب، فالمذهب الحنفي مثلاً توسع في التكفير أكثر من غيره من المذاهب الفقهية كما هو واضح لمن طالع كتبه، ففي حين ينص الأحناف مثلاً على كفر من يستهزئ بالمؤذن، نجد فقهاء آخرين لا يكفرون بهذا العمل، وعليه فكيف يكون التعامل في بعض الصور أو القضايا التي يختلف فيها الفقهاء تكفيراً وعدمه؟
(1) تحفة المحتاج 2/ 36، حاشية البجيرمي على الإقناع 2/ 29