فـ "سر المسألة أن الساب لا يمكن أن يكون معذوراً بجهل أو تأول، بل ذلك مما يناقض أصل الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فليس السب مما يمكن فيه احتمال أن يتعلق بمناط غير نقض أصل الدين، فكان ولا بد كفراً لذاته" (1)
- الحالة الثالثة: أن يكون الفعل الظاهر محتملاً للكفر وعدمه:
من الأمثلة لهذه الحالة السجود للنبي صلى الله عليه وسلم فهو يحتمل الشرك ويحتمل الإعظام.
روى عبد الله بن أبي أوفى قال: "لما قام معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يامعاذ؟
قال معاذ: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (2).
فالسجود غير دال دلالة قطعية على عبادة غير الله بل قد يحتمل غيرها كالإكرام والتعظيم، وعليه فلا يكفر الفاعل حتى يتبين منه مراده، وليس المراد بالتبين هنا أن نحكم بكفره، أو عدم كفره وعدم إسلامه حتى نعلم إسلامه فعلاً، بل المراد بقاء حكم الإسلام عليه حتى نعرف مراده بالسجود فإذا لم نعلم مراده، أو قال: إنه أراد التعظيم فلا يكفر، ولكن عمله هذا حرام لا يخلو من الإثم إن علم حرمته.
- الحالة الرابعة: أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعاً لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده:-
وهذا كالرجل الذي أمر أهله بسحقه وذريه بعد موته، وظنه أن الله لن يقدر على بعثه، فهذا الظن كفر قطعاً، مع هذا غفر الله له بسبب جهله، ويدخل في هذه الحالة المعذورون بعذر من الأعذار الآتي ذكرها، والذين لا يكفرون مع وجودها (3).
ومما له علاقة بهذا الموضوع مسألة حكاية الكفر، وهو أن يحكي أو ينقل مسلم قولا كفريا عن غيره مع عدم إيمانه بهذا القول الكفري أو تصديقه له، وإنما كانت هذه الحكاية أو النقل لغرض ما
(1) ضوابط التكفير 213
(2) مسند ابن أبي أوفى 96 والمعجم الكبير 5/ 208.
(3) انظر هذه الحالات بتفصيل في ضوابط التكفير عند أهل السنة 211 وما بعدها.