تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المطلب الثاني: شروط تكفير المعين

وبما أن تكفير المعين مسألة خطيرة وذات أهمية عظيمة لما ينبني عليها من أحكام، فقد ذكر العلماء شرطين يجب توفرهما في المعين وهما: أن يقصد المعين بكلامه المعنى المكفر، وأن تقام عليه الحجة، وبيان هذين الشرطين فيما يلي:

الشرط الأول: أن يقصد المعين بكلامه المعنى المكفر.

كثيراً ما يطلق الناس ألفاظاً هي في حقيقتها كفر بيد أنهم لا يقصدون الشيء المكفر، بل معنى آخر لا يكفرون به، وقد بين العلماء أن من سب موصوفاً بوصف أو مسمى باسم، وذلك يقع على الله سبحانه أو بعض رسله خصوصاً أو عموماً، لكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك، إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه، أو لأنه وإن كان يعتقد وقوعه عليه لكن ظهر أنه لم يرده، لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره، فهذا القول وشبهه حرام في الجملة يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام، ويعزر مع العلم تعزيراً بليغاً لكن لا يكفر بذلك و لا يقتل، وإن كان يخاف عليه الكفر.

مثال ذلك: سب الدهر الذي فرق بينه وبين الأحبة، أو الزمان الذي أحوجه إلى الناس، أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه ونحو ذلك مما يكثر الناس قوله نظماً ونثراً، فإنه إنما يقصد أن يسب من فعل ذلك به، ثم إنه يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه، وفاعل ذلك في حقيقة الأمر إنما هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء، إذ لم يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى البتة والى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر، بيده الأمر" (1)، وقوله فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: "يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" (2) فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا القول وحرمه، ولم يذكر كفراً ولا قتلاً، والقول المحرم يقتضي التعزيز والتنكيل كما هو معلوم، إذ على المسلم أن يلتزم الشرع في أقواله كما يلتزمه في أفعاله.

ومثل هذا أن يسب مسمى باسم عام يندرج فيه الأنبياء وغيرهم، لكن يظهر أنه لم يقصد الأنبياء من ذلك العام مثل ما نقل الكرماني قال سألت أحمد قلت: رجل افترى على رجل فقال:

(1) البخاري 5/ 2286 ومسلم 4/ 1763 والمعنى كما دل عليه آخر الحديث أن الله بيده تصاريف الأمور كلها، وأن المصائب ونحوها كلها بتقدير الله سبحانه إما ابتلاءً أو جزاءً، لا أن الدهر من اسمائه تعالى كما توهمه بعضهم.

(2) البخاري 52286 ومسلم 4/ 1762

التكفير حكمه وضوابطه والغلو فيه · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التكفير حكمه وضوابطه والغلو فيهص ٣٩