تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد أن بين تعالى ما عليه المشركون من انقلاب الموازين واختلاط المفاهيم وانتكاس القيم، وذكَّر تعالى بجملةٍ من سننِهِ الثابتَةِ، وأقداره النافذة: أورد مثالاً لمن اغترَّ بنعم الله عليه وإمهاله، فأحسن الظنَّ مع سوء عمله وفساد معتقده، ثم هو يطمع في المزيد؟ فيقول مقولةَ الواثق المغرور بالأماني الكاذبة والسراب الخادع: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ فهل اطلع الغيب فعلم بذلك علماً يقينياً؟ أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ وهذا الاستفهام على جهة الإنكار إذ لا سبيل له إلى معرفة الغيب، ولا كرامة له حتى ينال وعداً بدخول الجنة، فالجنة لا يدخلها بكفره وافترائه، وصده عن سبيل الله.

﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: سنحفظ عليه قوله ونسجِّله عليه، لنجازيه به في الآخرة، عذابا مديدا مضاعفا.

﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)﴾: يجرَّد من ماله الذي ينتقل لورثته ويخرج من دنياه صفر اليدين، فلا يدوم متاعُه بأولاده وَحَشمِه وخَدَمهِ وقَوْمه، بل يعودُ إلينا منفرداً عنهم، وقيل: معنى قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به، وقيل: نرثه ما يقول أنه له في الجنة، فنجعله لغيره من المسلمين، فنجعل ما يتمنى من الجنة لغيره. (1).

﴿وَيَأْتِينَا﴾ على فقره ومسكنته ﴿فَرْدًا﴾ من المال والولد، " لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه، فيجتمع عليه الخطبان: تبعة قوله ووباله، وفقد المطموع فيه ". (2).

الجولة الرابعة

ماذا وراء هذه الأباطيل والأوهام؟

﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)﴾

(1) - يراجع: البحر المحيط 6/ 214 ويراجع: معالم التنزيل للبغوي 5/ 254 وزاد المسير لابن الجوزي 5/ 261

(2) - الكشاف للزمخشري 4/ 114.

التفسير الموضوعي لسورة مريم · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الموضوعي لسورة مريمص ٥٨