تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن ذلك كان تعليقًا على كنيسة عظيمة، فلا يَصِح أن نفهم أن الصلاة على القبر بمعنى فَوقَه، إنَّما بناء المسجد مِن أجل القبر، أو الدفن في المسجد؛ تعظيمًا لذلك الصالح (1).

هذا، ولقد نهى ربُّ العزة عن الغلو في الأنبياء على شرف منزلتهم، فقال - تعالى -: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: 171]، ولقد جاء في الحديث (2) عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنَّما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)).

لكن الشيطان وسوس للناس، فشابهوا النصارى في غلوهم وشركهم في بناء المساجد على القبور، وصلَّوا فيها، وطافوا بتلك القبور واستغاثوا بها، وزعموا أنَّها تَكشف الكربات، وتقضي الحاجات، وظنوا أن الصلاة في هذه الأضرحة أفضلُ من الصلاة في المساجد.

وفي حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إيَّاكم والغلو في الدين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) (3).

فإذا كان النهي قد ورد في الغُلُوِّ في الأنبياء وفي خاتمهم - صلى الله عليه وسلم - وهو صاحب المنزلة العالية العظيمة عند الله، فكيف بغيره من الصالحين والأولياء، فهي باب الشرك وسببه؟! ولذا فإنَّ الشرع جاء بحماية التوحيد والبُعد عن الشِّرك، ولما كان ذلك الغلو في الصالحين تضافرت نصوصُ الشرع قرآنًا وسنة، وكان عليها أقوالُ الأئمة في ذلك؛ لأنَّ التوحيد والإخلاص والنهي عن الشرك أهمُّ مقاصد الشريعة والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

(1) تنبيه: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُدفن في مسجده، ولا بُني المسجد على قبره؛ راجع لذلك ما كتبه الشيخ محمد علي عبدالرحيم - رحمه الله - بذلك الشأن.

قلتُ: وقد طُبعت مقالته على لوحة كبيرة توضِّح كيف أُدخِل القبرُ في المسجد، فراجعها؛ فإنها نفيسة.

(2) أخرجه البخاري 3261.

(3) أخرجه النسائي 5/ 268، وابن ماجه 3029، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1283.

التبرك المشروع والممنوع · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التبرك المشروع والممنوعص ٣٣