فمن المعلوم أن الشرع لم يضع حداً ثابتاً مقدراً يكون فاصلاً بين الوجوب وإسقاطه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثلاً: [صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب] رواه أحمد، والبخاري عن عمران بن حصين.
وإنما وكل ذلك إلى السعي بقدر الاستطاعة، وليست هذه الاستطاعة هي التي يتوقف عليها الوجوب وإنما هو أمرٌ بأن لا يتوقف المسلمون في إعدادهم عند حدٍّ ولا يكتفون بمقدار، بل عليهم أن يكونوا دائماً في سعي للتحصيل والازدياد والارتقاء بقدراتهم، فكل سلاح أو صناعة، أو تجهيز، أو خبرة يستطيع المسلمون إيجادها فهم مأمورون شرعاً بذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال/60]
قال الإمام ابن كثير-رحمه الله-: [ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: مهما أمكنكم] (تفسير ابن كثير: 4/ 80).
فلما عَلمنا أن الشرع لم يضع حداً معيناً مقدراً تقديراً ثابتاً في حقيقة الاستطاعة التي يقع معها التكليف بالجهاد، ويسقط مع نقصانها أو انعدامها، وعلمنا أيضاً أن الشرع لم يكلف الناس بما لا طاقة لهم به، فلا بد إذاً من وجود جهة يُرجع إليها لمعرفة إن كانت الأمة بمجموعها مطيقة للقتال وقادرة على أدائه أم أنها عاجزة عجزاً حقيقياً يسقط معه التكليف والمؤاخذة، فما هي هذه الجهة؟
الثالث: وهو متعلق بما سبق وجواب عن السؤال الماضي، حيث إن فقدان الاستطاعة قد يدعيها كل من أراد أن يتفلت من الجهاد، ويتسلل لواذاً من ساحاته، فلو كان تقدير استطاعة المرء من عدمها راجعاً في كل حين إلى نفسه ونظره لما أمكن أن يؤاخذ أحدٌ على ترك الجهاد بتاتاً، لأن المؤاخذة فرع التكليف، ولا تكليف مع عدم القدرة والاستطاعة، والاستطاعة مفقودة بحسب تقويم الشخص لحاله فَلِمَ المؤاخذة إذاً؟!
ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمثل هذا، وقد احتج بعض المنافقين من قبل في عدم نفيرهم بفقداهم الاستطاعة على ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة/42]