تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الرأي من أفسد الآراء ... وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلماً فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد، وأين ظلم بعض ولاة الأمور من استيلاء الكفار؟! بل من استيلاء من هو أظلم منه، فالأقل ظلماً ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلماً فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين

ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم وأما اذا لم يكونوا يظلمون المسلمين والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم فهذا عدوان منه فلا يعاون على العدوان] (منهاج السنة النبوية: 6/ 118).

ومَن يطلع على كلام أهل العلم حينما يتحدثون عن تسلط الكفار على بلد من بلدان المسلمين، أو حتى خشية مداهمتهم لها يدرك مدى استشعارهم لخطورة هذا الأمر، وإحاطتهم بهوله، وأنهم يعدونه أم المصائب وبوابة الشرور وخاتمة الدواهي؛ ولهذا يستسهلون دون كفها ودفعها سائر من يُتخيل من المفاسد ويُتوقع من المضار، كما هو الحال عند حديثهم على مسألة التترس وما شابهها، واستمع إلى إمام الحرمين الجويني –رحمه الله- وهو يشير إلى حادثة تاريخية انتصر فيها الإسلام فانكف شر أعدائه اللئام، وهي الوقعة التي كانت بين ألب أرسلان وبين ملك الروم وانتصر فيها المسلمون انتصاراً عظيماً، وما تراه في أسطرها من عظيم خطر تسلط الكفار على المسلمين حتى تدرك أن الأمر ليس هيناً وأن المصيبة ليس تخيلاً، فقال: [فمن استمسك بالحق ولم يمل به مهوى الهوى عن الصدق، تبين على البدار والسبق أن خزائن العالمين وذخائر الأمم الماضين وكنوز المنقرضين لو قوبلت بوطأة من الكفار لأطراف ديار الإسلام لكانت مستحقرة مستنزرة.

فكيف لو تملكوا البلاد، وقتلوا العباد، وقرعوا الحصون والأسداد، وخرقوا عن ذوات الخدور حجب الرشاد، ومال إليهم من لا خلاق له من حثالة الناس بالارتداد، وتخلل الحرائر العلوج، وهتك حجالهن التبذل والبروج، وهدمت المساجد، ورفعت الشعائر والمشاهد، وانقطعت الجماعات والأذان، وشهرت النواقيس والصلبان، وتفاقمت دواعي الاختزاء والافتضاح، وصارت خطة الإسلام بحرا طافحا بالكفر الصراح؟!

التبديد لأباطيل وثيقة الترشيد · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التبديد لأباطيل وثيقة الترشيدص ٦٤