وفتاواه على رؤوس الأشهاد ويشيعوها في الآفاق حتى تطمئن قلوب "كتاب" الوثيقة وتقر أعين "المشرفين عليها" ويعلموا أن المجاهدين يعتمدون في سيرهم وسيرتهم على فتاوى مؤصلة من أهل العلم المؤتمنين وأنهم لا يقتصرون فقط على "الرؤوس الجهال" الذين يفتون بغير علم فيضلون ويُضلون كما تحاول وثيقة الترشيد إفهامه للناس.
ونشير هنا إلى أن "كتاب " الوثيقة قد دلسوا تدليساً دقيقاً، ومزجوا حقاً بباطل لا يكاد يُتفطن له إلا مع طول التأمل والتدقيق حيث خلطوا بين أمرين من غير أن يبينوا تباينهما.
فقال المرشد أولاً: [التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة ... ولا تكليف قبل العلم وبلوغ الخطاب ... ومنه القاعدة الفقهية «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»] فالعلم الذي لا يقع التكليف إلا به هو بلوغ الخطاب الشرعي، وهو ما تقوم به الحجة الشرعية، فالصحيح أن يقول: ولا تكليف قبل العلم «ببلوغ» الخطاب، وليس «وبلوغ الخطاب» فهذا الكلام يوهم أن العلم –في هذا الموطن- مغاير لبلوغ الخطاب ويشعر بأن العلم الذي يتوقف عليه التكليف إنما هو العلم التفصيلي، مع أن العلم التفصيلي إنما هو من آثار التكليف بمعنى أنه وجب لوجود التكليف، وهذا الأمر كان واضحاً في كلام الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه (الجامع في طلب العلم الشريف) حينما قال: [أهلية الأداء (وهى أهلية التكليف): وتعني صلاحية الفرد لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعاً، أي صلاحيته لأن يكون مكلفاً يؤاخذ بأقواله وأفعاله.
وشروط صحة هذه الأهلية:
الإدراك (بالبلوغ والعقل والعلم بخطاب التكليف).] اهـ
فالتكليف بالصلاة مثلاً يكفي فيه بلوغ خطاب وجوبها ليكون المرء مطالباً بأدائها ومؤاخذاً بتركها، ويترتب على "بلوغ الخطاب" وحصول التكليف به وجوب تعلم ما تصح به مما يدخل في "الفرض العيني" من أقسام العلم.
فالمؤاخذة –التي هي أثر التكليف وفرعه- في كل أمرٍ من أمور الشرع إنما تحصل بعد بلوغ الخطاب الشرعي وقيام الحجة، وهو المقصود "بالعلم" الذي يحصل به التكليف،