تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما دون الشرك، وهو نوع ثان من الكبائر. ويبدو أن المعتزلة لم يجمعوا على القول في مغفرة الله تعالى لمرتكب الكبيرة من غير توبة فبعضهم أجازوا مغفرة ذنوبهم من الله عز وجل من غير توبة (1) ويفهم من تفسيره أن ضمير الفاعل في الفعل يشاء يعود على (من)، وليس على الله عز وجل لأن المعنى عنده أن الله تعالى لا يغفر الشرك لمن يشاء أن لا يغفر له باعتباره مات مشركا غير تائب منه ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن أراد أن يغفر له بكونه تاب منها. لكن أهل السنة ذهبوا إلى أن ظاهر الكلام دال على أن لا قيد في الفعل الأول بالمشيئة رغم توقف وجود الكائنات كلها عندهم على مشيئة الله تعالى، وبأن الفاعل في (يشاء) عائد على الله سبحانه لا على (من) فيصبح المعنى: يغفر الله تعالى ما دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له (2)، فكل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل إن شاء عفا عنه ذنبه وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله، ويظهر أن هذه الآية الكريمة قد حكمت بالنص في موضع الاختلاف المتمثل في تعارض عمومات آيات الوعد وآيات الوعيد (3) لدى الفرق لذا عدها أبو حيان السني مزيلة للشك، وردا على الخوارج والمرجئة والمعتزلة فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ معناه: أن من مات مشركا لا يغفر له وهو أصل مجمع عليه من الفرق الأربع.

وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ﴾ رد على الخوارج والمعتزلة لأن ما دون ذلك عام تدخل فيه الكبائر والصغائر. أما قوله: ﴿لِمَنْ يَشََاءُ﴾، فرد على المرجئة إذ معناه أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم على ما يشاء الله سبحانه وليس كما ذهب إليه المرجئة أن كل مؤمن مغفور له (4).

(1) مثل محمد بن شبيب البصري، والصالحي والخالدي من شيوخ المعتزلة: انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 116.

(2) انظر تفسير القرطبي، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، دار الشعب القاهرة، ط 2، 1372هـ، ج 5، ص، 245وكذا أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج 3، ص 671.

(3) آيات الوعيد عند الخوارج عامة في العصاة كافرين ومؤمنين غير تائبين، وآيات الوعد مخصوصة في المؤمن الذي لم يذنب أبدا أو أذنب وتاب، وآيات الوعيد مخصوصة لدى المرجئة بالكفار، وأما الوعد فمخصوصة في المؤمن تقيّهم وعاصيهم. وقد خصص أهل السنة آيات الوعيد بالكفرة وبمن سبق في علمه أنه يعذبه من المؤمنين العصاة. وخصصوا آيات الوعد بالمؤمن غير المذنب وبالتائب، وبمن سبق في علمه العفو عنه من المؤمنين العصاة. وخصص المعتزلة آيات الوعد بالمؤمن غير المذنب والوعيد بالكافر وصاحب الكبيرة غير التائب: انظر أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج 3، ص 670.

(4) انظر أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط، ج 5، ص 670.

التأويل والتفسير بين المعتزلة والسنة · الصفحة ١٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويل والتفسير بين المعتزلة والسنةص ١٩٦