تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التَّعارض بين البيِّنات جائز باتّفاق، والاختلاف إنَّما هو في المصير بعد وقوع التَّعارض، فإذا وقع تعارض بين بيِّنتين فعلاً فما هو الحكم؟

ذهب فريق من العلماء إلى تقديم التَّرجيح وإلاَّ فالجمع. وذهب فريق إلى تقديم الجمع وإلاَّ فالتَّرجيح، وذهب فريق ثالث إلى تقديم التَّهاتر (1) ثُمَّ التَّوقُّف. وفيما يلي تفصيل الآراء:

المطلب الأوَّل: تقديم التَّرجيح على الجمع وأدلته:

المسألة الأولى: تقديم التَّرجيح على الجمع:

ذهب إلى تقديم التَّرجيح على الجمع عند تعارض البيِّنتين جمهور الأحناف (2). جاء في "بدائع الصَّنائع": "وأمَّا حكم تعارض الدَّعوتين مع تعارض البيِّنتين فالكلام فيه يقع في موضعين:

أحدهما: في بيان حكم تعارض الدَّعوتين مع تعارض البيِّنتين القائمتين على أصل الملك.

والثَّاني: في بيان حكم تعارض البيِّنتين القائمتين على قدر الملك.

أمَّا الأوَّل فالأصل أنَّ البيِّنتين إذ تعارضتا في أصل الملك من حيث الظَّاهر فإنْ أمكن ترجيح إحداهما على الأخرى يعمل بالرَّاجح؛ لأنَّ البيِّنة حُجَّة من حُجَج الشَّرع، والرَّاجح ملحق بالمتيقن في أحكام الشَّرع. وإنْ تعذَّر التَّرجيح، فإنْ أمكن العمل بكُلّ واحدة منهما من كُلّ وجهه وجب العمل به، وإنْ تعذَّر العمل بهما من كُلّ وجه وأمكن العمل بهما من وجه وجب العمل بهما؛ لأنَّ العمل بالدَّليلين واجب بقدر الإمكان، وإنْ تعذَّر العمل بهما أصلاً سقط اعتبارهما والتحقا بالعدم، إذ لا حُجَّة مع المعارضة، كما لا حُجَّة مع المناقضة" (3).

(1) التهاتر: من الهِتْر ـ بكسر الهاء وسكون التاء ـ السَّقط من الكلام والخطأ فيه، وتهاتر البيِّنات: سقوطها وبطلانها. انظر: تاج العروس، 1/ 3622، معجم لغة الفقهاء، 1/ 148، كما يعني أيضاً أنْ يدعي كُلّ واحد منهما على الآخر باطلاً، وقيل: هي الأقاويل والشَّهادات التي يكذّب بعضها بعضاً. انظر: غريب الحديث: لابن قتيبة، 1/ 103، والكليّات: لأبي البغاء الكفويّ، 1/ 48.

(2) انظر: تيسير التَّحرير، 3/ 200، والمحصول: للرّازيّ، 5/ 531.

(3) انظر: بدائع الصَّنائع: للكاسانيّ، 14/ 186.

التعارض والترجيح بين البينات القضائية · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التعارض والترجيح بين البينات القضائيةص ٩