الفصل الثالث
في ماهية البيِّنة والتَّعارض والتَّرجيح بين البيِّنات
المبحث الأوَّل: تعريف البيِّنة لغة واصطلاحاً:
المطلب الأوَّل: تعريف البيِّنة لغة (1):
البيِّنة هي: "المثعب الذي ينصب منه الماء إذا فرغ من الدَّلو في الحوض". وقيل: "هي الدَّليل والحُجَّة". وقيل: "البيِّنة الحُجَّة، فيعلة من البينونة، وهي الانقطاع والانفصال من البيان". وقيل: "هي ما ظهر برهانه في الطَّبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده".
المطلب الثَّاني: البيِّنة في الاصطلاح:
ذهب الفقهاء في تعريف البيِّنة في الاصطلاح إلى ثلاثة آراء نوضحها في المسائل التالية:
المسألة الأولى: البيِّنة تعني شهادة الشهود:
بالتَّأمل في كتب الفروع يتضح أنَّ البيِّنة في اصطلاح جمهور الفقهاء هي شهادة الشُّهود. و قيل في "المجموع" (2): "وسميت البيِّنة "بيِّنة" ـ وهي الشُّهود ـ؛ لأنَّها تبيّن عن الحقّ، وتوضّحه بعد خفائه".
أدلة الجمهور:
يستدل الجمهور لتخصيص البيِّنة بشهادة الشُّهود بأدلة، هي:
أوَّلاً: أنَّ البيِّنة جاءت في لسان الشَّرع مقصود بها شهادة الشُّهود في قصة هلال بن أميّة - رضي الله عنه -، وأصلها ما رُوِيَ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ هلال بن أميّة قذف امرأته عند النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء، فقال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (البيِّنة أو حدّ في ظهرك)، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البيِّنة؟ فجعل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (البيِّنة أو حدّ
(1) انظر: تهذيب اللُّغة، 5/ 257، معجم لغة الفقهاء، 1/ 115، أنيس الفقهاء، 1/ 237، التَّعاريف، 1/ 154.
(2) انظر: المجموع، 20/ 206.