في يوم خريفي آخر، بعد مرور عامين تقريباً، وقع حادث رهيب حطم صفاء حياتي. أنا وميلاد تسكعنا قبل وقوع الحادث في سوق الجمعة. اشترت هي قلم أحمر شفاه بلون الشمندر وفستاناً أخضر مائل إلى الاصفرار.. مازحتها قائلاً: "فستانك هذا يذكرني بأوراق الخس.. اللون نفسه والثنيات ذاتها". كما تبضعت هي قرطين صفراوين..
كان يوماً هادئاً إنما حزيناً.. غادرنا شقتنا قبل الوقت المعتاد، أنا إلى بلدية النفق، وهي إلى مطعم الأكلات الشعبية.. أنا امتطيت دراجة هوائية، وهي قطعت المسافة إلى محل عملها، سيراً على الأقدام.. التفتتْ إليّ، وضعتْ أصابعها الطويلة البيضاء على شفتيها وقالت بالإسبانية
(Hasta luego).. وقبل أن أضع قدمي اليسرى على دوّاسة الدراجة ألقيتُ نظرة عابرة على صورتها الجانبية.. في تلك اللحظة هبت نسمة باردة وحركت خصلة شعر سوداء منسدلة على أذنها اليمنى.. يومذاك كانت هي بفستان الخس الجميل والقرطين الصفراوين، أما شفتاها فكانتا بلون الشمندر (على فكرة كانت هي مولعة بعصير الشمندر).
يوم عمل اعتيادي.. زبائن قليلون في المطعم. من أمام واجهة المطعم مرّ صبيان في العاشرة أو الثانية عشرة، يحملان صناديق تلميع الأحذية. كما مرتْ من هناك عربة آيس كريم تدفعها عجوز هرمة رثة الملابس وفتاة في ميعة الصبا تلبس سروالاً أسود اللون ضيقاً من الأسفل. بعدها بعشر دقائق تقريباً مر شحاذ قذر، ثم عاد ودخل المطعم. الشحاذ كان ظمآناً فسمح له صاحب المطعم الجالس خلف طاولته الصغيرة بالدخول.. الشحاذ جرع كوبين من الماء مع أن الطقس لم يكن حاراً، فالوقت خريف، ودرجة الحرارة لاتزيد على الثلاثين مئوي.. وبعد أن مسح شفتيه وشاربيه الكثين أزاح كرسياً وجلس حذراً خلف إحدى المناضد.. الواقع، جلس هو إلى إحدى الموائد التي كانت من مسؤولية ميلاد.. لم تشأ هي الحديث معه، لكنها طلبت من زميلٍ لها، نادل نشيط ولبق، أن يطلب منه الخروج فمظهره المزري يضر بسمعة المطعم، وإذا ما كان هو جائعاً فعليه أن يأتي بطبق فارغ كي يزوّد بالغذاء. النادل النشيط ربّت على كتفه ثم قاده إلى الخارج.. الشحاذ أذعن للأمر، مع أنه تمتم بكلمات تنم عن إحساسه بالإهانة والذل.