ذات يوم، في العاشرة مساءً، ذهبنا أنا وسوزان إلى منزل عازفة البيانو. عجوز هرمة، لما تزل تحتفظ ببقايا جمال ذابل، ذات تسريحة شعر قصيرة.. استقبلتنا بحفاوة.. وأشارتْ بسباتها الرقيقة إلى صالة الاستقبال: "تفضلا.. تفضلا.. ياهلا ومية هلا.."
جلسنا على أريكة منجدة بقطيفة حمراء سادة.. وجعلنا نتطلع إلى الجدران المزينة بلوحات مائية أو لوحات قماش لفنانين عراقيين، ميزت بين لوحات القماش لوحةً لـ فائق حسن وأخرى لـ فرح عبد وثالثةً لـ حسن عبد علوان..
أشارت سوزان: "انظر إلى تلك اللوحة."
سألتها: "أيهما تقصدين؟"
قالت: "تلك.. الكبيرة.."
أنا: "آ.. تقصدين تلك اللوحة ذات الشرفات الخشبية الخضر.."
هي: "قصة حب أليفة.. عاشقان في شرفتين متقابلتين."
أتتنا الخادمة بكوبين من القهوة.. ثم انصرفتْ.. جلستْ عازفة البيانو الأرمنية على كرسي ذي مسندين. جلستْ قبالتنا وكررت ترحيبها.
قالت: "أعيش وحيدة.. ليس لي أولاد.. أحيا مع الموسيقى."
قادتنا معاً إلى غرفة واسعة، مغلفة بألوان من الخشب الساج، في آخرها بيان أسود اللون، على سفحه حامل النوتات الموسيقية.. "أقضي معظم وقتي في هذه الحجرة.. أعزف وأطالع الكتب.. غالباً يروق لي أن أنام فيها ظهراً."
صرنا نلتقي كل خميس في منزل عازفة البيانو.. نبقى هناك، حتى الحادية عشرة ليلاً.. ثم نستقل سيارة اجرة ويعود كل منا إلى منزله..
كنا، أنا وسوزان، نبقى صامتين برهةً من الوقت.. ثم آخذ ذراع سوزان الرشيقة ونبدأ بالرقص.. الغرفة واسعة ملائمة تماماً لأن تكون حلبة رقص.. كان شعر سوزان الأسود يتطاير حين تلف جسدها الرشيق.. تنورتها العريضة الرمادية اللون تنبرم على خصرها النحيل.. عازفة البيانو تتطلع إلينا بفرح غامر، وتواصل عزف لحنها الطروب؛ أنا وسوزان نطير في الفضاء، في السماء السابعة، بعيداً عن المباني الكونكريتية التي كانت تحاصر مدينتنا من كل الجهات.. غالباً، كنا أنا وسوزان، نرقص نشوانين على أنغام فالسات شتراوس.. نسترخي بعدها على أريكتين متقابلتين.
بقينا على هذه الحال شهوراً عدة.. بعدها انقطعتْ سوزان عن المجيء إلى العيادة أو إلى منزل عازفة البيانو.. لم تتصلْ بي هاتفياً.. كما لم ترسلْ خطاباً للسيدة عازفة البيانو.. لكنني ذات يوم تلقيتُ برقيةً أُرسلت إليّ من المطار.
"آسفة لإزعاجك.. سأقلع بالطائرة بعد دقائق.. اعذرني على تلك المزحة الموجعة."
الكوت / 1997