تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طواويس ملونة.. أما شذى فكانت تشارك في المعرض السنوي بلوحاتٍ من الخط الكوفي.. كانتا في صفٍ واحد في المدرسة الثانوية، ومرت السنون، وصارت كل منهما لا ترى صاحبتها ولا تسمع أخبارها.. وكما نقول نحن، عادةً، باعدت بينهما نوائب الدهر.. التقتا ذات يوم ، بمحض الصدفة، في صالة الانتظار، فتهلل وجه كل منهما وصاحتْ على صاحبتها.. وهكذا ساهمت عيادتي في التئام الشمل.. بعدها صارتا تخرجان معاً للتبضع أو النزهة وتتصل كل منهما بالأخرى عبر سلك الهاتف.. وكما نقول نحن العرب عاد الوصال القديم. أنا أيضاً آثرتُ أن أضع مرآة إيمان لصق مرآة شذى. غالباً أرى مرآة شذى تتكئ على مرآة إيمان.. أتخيل شذى تنشج على كتف إيمان.. تستفسر منها عن محنتها.. تأخذها إيمان إلى مصطبة خشب تحت شجرة صفصاف.. تجلسان.. إيمان تمسح الدمع الحار على خد شذى بأطراف أصابعها الممتلئة. اهدأي عزيزتي، هوّني عليكِ.. الفتيات في مثل سنك يعانين ما تعانين.. لا تخافي، اضطراب بسيط في الدورة الشهرية.. كلنا، عزيزتي، معرضات للمرض واليأس والكآبة؛ أفكارنا مضطربة، دورتنا الشهرية مضطربة، أسعار بضائعنا مضطربة، كل شيء في عالمنا مضطرب.

في بعض الأحيان أصف مرايا الجميلات حسب حروفهن الأبجدية العربية وغالباً حسب الأبجدية الإنكليزية. عاشتْ الأسماء.. مرآة أصيل دوماً جوار مرآة بشرى رغم أن لوني حمرتهن مختلفان تماماً، ورغم أن إحداهما لا تعرف الأخرى.. أغلب الظن أنهما تقابلتا في المصعد الكهربائي في طريقهما إلى الطابق الرابع.. أو ربما في الحافلة التي أقلتهما إلى عيادتي.. لا فرق.. أصيل طالبة جامعية تدرس الاقتصاد، أما بشرى فمعلمة روضة أطفال.. أصيل شابة متكبرة نوعاً ما مع أنها حساسة وطيبة.. أما بشرى فهي شابة في الرابعة والعشرين، أنيقة، منفرجة الأسارير، إلا أنها قليلة الكلام.

انعقدت أواصر صداقة بين عذراواتي؛ غالباً ما كنتُ أراهن يتهامسن فيما بينهن، أسرار البنات، أهمس لنفسي.. كنتُ أراهن، دوماً، يتحلّقن حول شذى، فهي للعلم أكثرهن ذكاءً وأناقةً.. ولعلها أكثرهن أنوثةً على الإطلاق.. أما تنوراتها الحريرية المتماوجة فقد أشعلت في داخلي ناراً أبدية، قاسية.. شذى رفضتْ دعوتي لتناول قدح آيس كريم، اعتذرتْ بأدب جم، لكنني مع ذلك بقيتُ أكنّ لها الاحترام والإعجاب.

الطائر · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٥٦