تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كم انتظرتْ أصابعي هذا الرذاذ. آن لك أيتها الأصابع أن ترقصي في غابة شعر موناليزا، بعد أن رقصتِ طويلاً فوق حبات اللؤلؤ. الرذاذ يسّاقط مثل حبات الندى. الرذاذ يسّاقط على شعر موناليزا. ياسمين، الرذاذ يسّاقط كرقائق الثلج على أشجار البتولا وغابات التايغا. الحجرة دافئة. عزيزتي، لن يصيبك البرد. أنتِ سترحلين إلى روسيا حيث الصقيع يغطي كل شيء.. وأنا هنا أكتوي بنار الوحشة واليأس والقلق. ياسمين صدريتي البيضاء تنادي غلالتك الوردية. اقتربي مني. فلنرقص معاً تحت المطر الناعم. ولنتعطر معاً بشذى ربيع متأخر. ياسمين، ليتني رأيتُك قبل الآن. ياسمين، أين كنتِ طوال هذا الوقت. أربعون عاماً مرتْ من حياتي. أربعون ربيعاً تصرم بلا رجعة. انتظرتك طويلاً، حتى قبل أن أعرفك. ياسمين، من أين أتيتِ؟ أأنت خارجة من إحدى لوحات ديفا؟ هل نزلتِ من السماء؟ ياسمين، كم أنا مسرور برؤيتك. سأتطلع إلى نباتاتي يومياً. سأتذكر عطرك الرائع. سأتذكر قدميك النحيلتين تخطوان إلى الشرفة. سأتذكر غلالات راقصات الباليه، خفافهن، سيقانهن العاجية الرشيقة. سأتذكر مايا بليسيتسكايا(1). سألفك بصدريتي الطبية وسنرقص معاً في "باليه من البياض"(2).

رأيت الشابة ذات الفستان الأبيض تفتح فمها الوردي. كانت عيناها مغمضتين والرذاذ يسّاقط فوق حبات اللؤلؤ.

الكوت 1994.

((

حكاية وسادة

(1)

أنا وسادة، وسادة بسيطة. لستُ من ريش النعام، بل أنا وسادة من القطن. جيء بي أول مرة إلى تلك الدار العتيقة المرصوفة بالآجر. وضعوني في حجرة نوم ذات سرير نحاسي.

في تلك الحجرة شممتُ أول مرةٍ عبق نسائم دجلة، وتناهتْ إليّ عبر نافذتها صيحات الصيادين إذ يجمعون شباكهم في صباحات جميلة ندية.

كان الرجل الذي يريح رأسه فوقي يغادرني فجراً، فأتطلع إلى الوسادة الثانية، لصقي، وأرى شلالاً من الشعر الكستنائي اللامع يجري فوقها.

كانت تلك الشابة السمراء البشرة تمد أصابعها الحانية وتتلمسني أما أصابع الرجل الخشنة فكانت تسحب، فجراً، شباكاً مثقلةً بالأسماك الفضية.

(1) مايا بليسيتسكايا: راقصة باليه روسية شهيرة.

(2) وردت هذه الجملة في رواية "البحيرة" لـ كاواباتا.

الطائر · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٤٧