تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-نعم. بيد أنني لم أكن أريد أن أفلح التربة مثل والدي، أو أساعده في تكريب النخل، أو أن أقدم البرسيم للأبقار في الحظيرة الواقعة خلف الدار. أنا أعتز بريفيتي وبمهنة عائلتي.. لكنني أريد أن أكون مختلفاً. أريد أن أفلح الجسد البشري. وأعرف أسراره وخفاياه. أريد أن أعرف قوانينه كم يؤلمني منظر أولئك الجنود الذين شوهتهم الحروب وتركت في أجسادهم شظاياها الحارقة.

-إنك دائم الحديث عن الحروب؟ لا بد أنك قرأت روايات كثيرة عن الحرب، أما أنا فمولعة بالطبيعة وكتبها وفنانيها، تعجبني رسوم شاغال.. في داخل منزله كانت الأبقاء تنتشر في كل الجهات.. كما تعجبني العفوية في رسوم هنري روسو.. كان يفتح نوافذ مرسمه ليلاً كي يجعل أشجار لوحته تتنفس بعد أن فرغت نجلاء من شرب كوبها، قالت:

-هل ستحفظني في واحدة من علبك الزجاجية مثل فراشات الطفولة؟

فرد خالد على الفور:

-أنتِ فراشتي العراقية. لكنك فراشة مسلحة. سأكتب خطاباً إلى أركادي فيدلر وأقول له: عثرتُ في بغداد، المدينة الشرقية، التي ربما قرأتَ عنها في "ألف ليلة وليلة" على فراشة رائعة الحسن، تبز فراشات الأمزون جمالاً ورقةً.. غير أنها فراشة تعرف كيف تدافع عن نفسها.. لا بل هي تدافع عن الآخرين أيضاً.. إنها فراشة آدمية تعيش بين الناس الأحياء وليس للحفظ في المتاحف.

خالد يستعذب جمالها الأخاذ. وخيل إليه أن بوسعه أن يقضي سنوات طويلة جالساً في النادي متأملاً وجهها الساكن.

-أخشى، يا عزيزي، أن تحرقني النار الزرقاء.. أريد أن تطهرني نار الحب الزرقاء.. هاتان الكلمتان نُقشتا في ذهني.. والدي يريدني أن أبقى في بغداد وتكون لي عيادة خاصة، أي بعبارة أخرى سأصبح مثل مئات الأطباء الآخرين طرازاً نمطياً، مكرراً.. أجمع النقود وأنفقها على الفساتين والعطور وأدوات الزينة.. مثل كل النساء الأخريات.

إنسدل شعرها المسرّح على كتفيها، وافتر ثغرها عن بسمة رقيقة، إنداح صوت فيروز:

كان عنا طاحون عَ نبع الميّ

قدامه الساحات مزروعة فيّ

وجدي كان يطحن للحيّ

قمح وسهريات

قالت نجلاء:

-هل تزور الأعظمية كثيراً؟ يروق لي أن أراك من نافذة غرفتي في الطابق العلوي.

ولم تمهله كي يجيب، فقد أضافت:

الطائر · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٣٤