تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عيناه مسبلتان. شفتاه متيبستان.

سحب الطبيب جلد بطنه، عبس وجهه، وكتب لها علاجاً.

عادت خائرة القوى، علىكتفها طفل بريء، لم يذق طعم الطفولة، يفقد حياته رويداً رويداً.

كانا يحلمان به يملأ الدار غبطةً، يكركر ويلعب ويبكي، وهو ذا الآن كتلة عظام لا حول لها ولا قوة. يحدق فيما حواليه. دون أن يعرف شيئاً من فصول المكيدة المدبرة ضده.

ذات مساء عاد مرزوق إلى دارته.. الطقس حار.. عتبات الدور مبللة بالماء. أطفال هزيلون، شاحبو الوجوه، يلعبون بكرةٍ من الخرق المتسخة البالية. ثلة من النسوة المتلفعات بالسواد اجتمعن في الغرفة. غرنوقة تجلس فوق البساط تنشج بحرقة. الوليد مغطى بشرشف أبيض. غادرت النسوة الدار وتمتمن بعبارات المواساة، استمرت غرنوقة ببكائها المر. ثم قالت بصوت أبح:

"ماذا تبقى لنا؟"..

في اليوم التالي دفن مرزوق وزوجته، قرب قبة خضراء، في ضاحية المدينة، طفلهما الوحيد.

حين عادا إلى منزلهما شاهدا مهد الطفل الخشبي يتحرك جيئةً وذهاباً. فراشه مايزال دافئاً ليناً ناعماً. فوقه وسادة مطرزة الحواشي وخشخاشة ملوّنة كان المهد خالياً.

ومع أن طفلهما الوحيد قد ووري التراب إلا أن مهده الخشبي لم يزلْ يتحرك بلا انقطاع.

الكوت 1993

((

الزيتون ينبت على الحدود

"وأبي قال لي مرة"

الذي ليس له وطن ليس له ضريح

ونهاني عن السفر

محمود درويش

نهار قائظ

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كانت قطعاتنا تتقدم، تحت لهيب الشمس، وراء بساتين النخل. الشاحنات تثير الوحل فيتطاير على جانبي الطريق أفواهنا أشد يبساً من رمال الصحراء، العرق يتصبب من أبداننا جميعاً، وجوهنا كالحة مغبرة. في خلال الليل كان في مقدورنا رؤية وميض المدافع وسماع دويها الذي يصم الآذان. رجال مدفعيتنا يصبون عليهم نيران الغضب.

الطائر · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٢٦