تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتألف من غرفة واحدة ومطبخ صغير في الغرفة سريران وكرسيان ودولاب وطاولة واحدة للطعام.

كانت شقتهما في الطابق الأول. وبإمكانهما مشاهدة مايجري في الزقاق. في إحدى المرات سرق غلام قطعة من كبد البقر فلحقه القصاب وبيده سكين طويلة أمسكه من ياقة قميصه وانهال عليه بالضرب والتقريع.

أسفل شقتهما كانت هناك مجموعة حوانيت تبيع اللحم والخضار والأواني المنزلية وكانت تتناهى من الأسفل أصوات الباعة، ضجيج السوق، صياح القصابين وهم ينصحون الصبيان بالكف عن متابعة حركات هر يتخاصم مع كلب على عظم ملقى في عرض السوق. كان شارل قصاباً بديناً، أصلع الرأس كالبيضة، يبغض الكلاب بغضاً شديداً، يصيح بصوته الأبح مهدداً الكلب الذي يزعجه: "انتظر، أيها الوغد، سوف أفقد أعصابي يوماً ما، فأمسكك بقوة وأحز عنقك بهذه السكين.

انتظر، أيها الأحمق! انتظر وسوف أريك. سكينتي هذه ستتلوّن بدمك. كن واثقاً، بأنني سأذبحك من الوريد إلى الوريد. انتظر وسوف أريك!"..

كانا يستحمان في المطبخ. يقوم أحدهما بتجهيز الماء الساخن. كم يكون جسدها رائعاً بعد الاستحمام.

ذات مرة قال لها: "حين أنظر إلى جسدك البديع الآن. أتذكر الأميرات الرشيقات في الحكايات التي روتها لي جدتي في دارتنا العتيقة في فاس. كم كانت تحكي لي عن حوريات البحر والجنيات.".

"يالك من جميلة!".

"يالك من زوجة صغيرة ناعمة!"..

نعناع حضنك. وسأكون فرحاً به. سأجن به. سأطير به. ونحلق معاً. نحلق إلى وطننا الذي غادرناه. سأمد يدي وأقطفه من حديقة حضنك. مثلما يقطف فلاحونا البرتقال. سأعانقه.سأزرعه بين ضلوعي. أزرعه مدينةً من وطننا، ناسها قلوبهم صافية. لو أنه ولد لجلسنا معاً في الأرجوحة. والريح الخضراء تهب. تهب وتهز الأرجوحة. وتندفع هذه في الأثير. آنذاك نهبط كالملائكة، كالشعراء، نهبط مملكة العشاق، مملكة الفقراء، إذ تمسح أصابعهم الخشنة. العرق الذي يبلل جباههم ووجوههم. تقبض أكفهم على الخناجر المسمومة التي تروم اغتيال الفرح والشعر والعمال.

ونحن في دارتنا في مملكة الفقراء. يأتي صوتك عذباً شجياً: ياحبيبي، هل نزرع في راحتيه زهرتين من الوطن؟ طيب، لنسأله أولاً، ياجوهرتنا

أتخيلك يامليكة شابة تخطر على الرمل، الوقت أصيل، الساحل يكاد يخلو من الناس. وأنا أمتع عينيّ بمنظر جسدك وخصرك الرائع وشعرك الأسود يطير في الريح.

كل شيء على مايرام.

الطائر · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الطائرص ٢٢