فجأة يشعر أحدهم بالدوار والغثيان. يلقي بالجاروف جانباً. الألم يعصر صدره. يتلفت حواليه ويلاحظ زملاؤه المحدودبي الظهور، المتسخي الوجوه. تصعد الغصة إلى حلقومه، تزوغ عيناه، يفقد القدرة على الرؤيا، يشحب وجهه ويزرق، يتصبب العرق من جبينه ويسقط مغشياً عليه. يجيء رئيس العمال. يجس نبضه، ويلمس صدره. ثم يقول ببرود شديد: "خذوه إلى الخارج. حالة اختناق بسيطة. إنها بسبب الهواء الملوث.".
يأخذه زملاؤه إلى الخارج محمولاً على نقالة. يبقون إلى جانبه. وقبل مجيء الطبيب أو سيارة الإسعاف يسلم الروح.
لماذا يدفعونهم نهاراً إلى تلك الكهوف الحالكة الظلمة، ويدفنونهم ليلاً في الغرف القصديرية المهترئة؟
لاشيء يجري هنا. لا شيء. البتة.
الشمس تشرق كل يوم على أوروبا، وكل شيء على مايرام.
هاهو ذا صديقنا الأدريسي، الشاب الضعيف البنية، يرتدي الأطمار الرثة. يجمع القمامة، قمامة الأثرياء.
آه. لاشيء يجري هنا. الأثرياء يثرثرون ويعربدون. تجلجل ضحكاتهم الشيطانية. لاشيء يجري هنا، مطلقاً. الراقصة الحسناء المدمنة على الماريجوانا تتخفف من ثيابها. معذرةً. فالأثرياء ذوو المواهب الرائعة يتمتعون بحياتهم.
كانا في مرسيليا، الفصل شتاء، الضباب يخيم على المدينة. هناك، صادفا الإدريسي، سألاه عن صحته، وعمله فأجاب بعد أن ضحك بمرح على جري عادته:
رحمها ينابيعاً رقراقة مداوية.
إيه، هل تبقين صامتةً، غافيةً، حزينةً، الشعر الناعم كالندى يوشح وجهك ولا يستبين منه غير العينين المليئتين بالوحشة والغربة؟ عيناك، كانا ينام فوقهما، ليلاً، ريش النجمات القزحي.. وبطنك كان يغفو فوقها طائر اللذة. إيه، هل تظلين صامتة، وأظل أنا مطعوناً في سويداء القلب؟
هيا، مليكة، عروسي، شراع قاربي، وجزيرتي، هيا، انهضي. انهض كالفجر الأبيض، أتسمعين صوتي؟ ماذا؟ إذاً، هيا، برفق انهضي، انهضي واستلقي معي على العشب. استلقي على صدري فراشة مبرقشة الأجنحة. استلقي معي، فالندى سينثال فوقنا. ويغطينا بثوبه الشفيف الرائع.
القبر عميق. نعم أعرف ذلك. أعرف مقدار حزنك، ورغبتك بالنهوض.