ونذكر هنا طرفاً من علاماتها: منها الإيثار -أي إيثار النبي- صلى الله عليه وسلم- على النفس كما يدل عليه قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [الحشر:9].
والآية وإن كانت عامة في إيثار المهاجرين إلا أنه صلى الله عليه وسلم هو رئيس المهاجرين وقائدهم، وهو المحبوب الأول من الخلق أساساً، وأمّا غيره فتبع له بحسب قربهم إليه صلى الله عليه وسلم ومتابعتهم إيّاه.
ومنها: بغض من أبغض الله ورسوله مهما كانت صلته ورتبته لقوله تعالى: ((لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)) [المجادلة:22].
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قيل في قوله تعالى: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) [المجادلة:22]: نزلت في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر ((أَوْ أَبْنَاءَهُمْ)) [المجادلة:22]: في الصديق همّ يومئذ ابنه عبد الرحمن ((أَوْ إِخْوَانَهُمْ)) [المجادلة:22]: في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، ((أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) [المجادلة:22]: في عمر قتل قريباً له يومئذ أيضاً.."(1).
وهؤلاء قاموا بقتل أقرب أقربائهم في معركة بدر لأن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يقتضي قتل من حاد الله ورسوله وبغض من أبغض الله ورسوله.
(1) تفسير القرآن العظيم: (4/329).